«الجزيرة» - وائل العتيبي:
واصلت جمعية آداب وفنون السرد (نالا) أداء دورها في تنشيط الحراك الثقافي وترسيخ ثقافة القراءة والحوار النقدي، من خلال برنامجها الدوري «كتاب الشهر»، الذي استضافه مركز سرد الثقافي لمناقشة رواية «قاطع طريق مفقود» للروائي السعودي فهد العتيق، بحضور نخبة من الأدباء والنقّاد والكتّاب والمهتمين بالشأن الثقافي، وأدار اللقاء الروائي أحمد بن عبدالعزيز السماري.
ويأتي البرنامج ضمن المبادرات الثقافية التي تتبناها الجمعية للاحتفاء بالإصدارات السردية السعودية، وإبراز التجارب الإبداعية عبر جلسات حوارية تجمع المؤلفين بالنقاد والقراء، بما يسهم في تنشيط الحركة النقدية، وتعزيز حضور الرواية في المشهد الثقافي، وفتح قنوات مباشرة للحوار بين الكاتب وجمهوره، انسجامًا مع مستهدفات المشهد الثقافي السعودي في دعم الإبداع وإثراء المحتوى المعرفي.
واستُهلت الأمسية بتقديم قراءة موجزة في تجربة فهد العتيق، بوصفه أحد الأصوات السردية في المملكة، وصاحب مشروع إبداعي يمتد لأكثر من أربعة عقود، أسهم خلالها في تطوير القصة القصيرة والرواية السعودية، عبر أسلوب يقوم على التكثيف والاقتصاد اللغوي، ويجعل من الذاكرة والمكان ركيزتين أساسيتين في بناء عالمه السردي.
وأدار الروائي أحمد السماري حوارًا ثريًا مع العتيق، متتبعًا المسارات الفكرية والجمالية التي تشكل منها النص، فيما تناولت الجلسة عددًا من المحاور، بدءًا من دلالات العنوان، وبنية الرواية، وتقنيات السرد، وبناء الشخصيات، وحضور المكان والذاكرة، مرورًا بالمرجعيات الفكرية والجمالية التي استند إليها الكاتب، وصولًا إلى رؤيته لمستقبل الرواية السعودية، وعلاقة الإبداع بالتحولات الاجتماعية والثقافية.
وخلال اللقاء، تحدث فهد العتيق عن تجربته في كتابة الرواية، كاشفًا جانبًا من هواجسه الفنية، ورؤيته للكتابة بوصفها فعلًا معرفيًا وجماليًا يسعى إلى إعادة اكتشاف الإنسان والعالم، مؤكدًا أن الرواية الجيدة لا تقدم أجوبة نهائية، بل تطرح أسئلةً تظل ترافق القارئ حتى بعد انتهاء القراءة.
وشهدت الأمسية تفاعلًا لافتًا من الحضور، الذين أثروا الحوار بمداخلاتهم وأسئلتهم، لتتحول الجلسة إلى قراءة جماعية للتجربة الروائية، تجاوزت حدود الاحتفاء بإصدار جديد إلى مساءلة النص وكشف أبعاده الفكرية والجمالية، في أجواء اتسمت بالنقاش المعرفي وتبادل الرؤى حول العمل الروائي وتجربة مؤلفه. وتأتي رواية «قاطع طريق مفقود»، الصادرة عام 2024 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، امتدادًا للمشروع السردي الذي يشتغل عليه العتيق منذ سنوات، والقائم على استنطاق الذاكرة واستعادة تفاصيل الحياة اليومية بوصفها وثيقة إنسانية تحفظ تحولات المجتمع. وتقع الرواية في نحو 184 صفحة موزعة على عشرين فصلًا، وتتخذ من أسرة العثمان فضاءً سرديًا تنبثق منه الحكايات، فيما تتحرك شخصية رياض بين الأزمنة والأمكنة، حاملةً معها أسئلة الإنسان، وحنين الذاكرة، والأحلام المؤجلة، والعلاقة المعقدة بين الفرد ومحيطه.
ويعتمد العتيق في بناء روايته على تقنية المشاهد السينمائية، متنقلًا بين الأزمنة بانسيابية لافتة، في سرد بصري يمنح النص إيقاعًا متدفقًا، ويزاوج بين الواقعية والتأمل النفسي، بلغة رشيقة ومكثفة تحتفي بالإيحاء أكثر من المباشرة، وتمنح القارئ مساحة واسعة للتأويل وإعادة اكتشاف المعنى.
ويُعد فهد العتيق أحد أبرز الأصوات السردية في المملكة؛ إذ ارتبط اسمه بتوثيق التحولات الاجتماعية والعمرانية التي شهدتها مدينة الرياض، حتى غدت المدينة في كثير من أعماله كائنًا حيًا ينبض بالحكايات، لا مجرد إطار للأحداث.
ويضم رصيده الأدبي أعمالًا شكلت محطات بارزة في السرد السعودي، من بينها «إذعان صغير»، و«أظافر صغيرة جدًا»، و«كائن مؤجل»التي تُرجمت إلى الإنجليزية بعنوان Life on Hold، إضافة إلى رواية «الملك الجاهلي يتقاعد» التي بلغت القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015، في تأكيد على المكانة النقدية التي تحظى بها تجربته.
أما مدير الأمسية، الروائي أحمد بن عبدالعزيز السماري، فيمثل أحد الأصوات الروائية السعودية التي جمعت بين الخبرة المهنية والاشتغال الثقافي؛ فهو حاصل على درجة البكالوريوس في الهندسة من جامعة الملك سعود، وعمل سنوات طويلة في القطاع الخاص قبل أن يتفرغ للأدب والكتابة.