ليس أعظم ما تمنحه الجامعة لطلابها شهادةً جامعية... بل هويةً إنسانية. قد تبدو العبارة للوهلة الأولى أقرب إلى الأدب منها إلى التعليم، لكنها في الحقيقة تختصر واحدة من أعظم رسائل الجامعة، وربما أكثرها غيابًا عن النقاش.
فالجامعة ليست المكان الذي يتعلم فيه الطالب الطب أو الهندسة أو القانون أو المحاسبة فحسب، بل هي آخر محطة يصوغ فيها المجتمع شخصية الإنسان قبل أن يدفع به إلى الحياة العامة. إنها السنوات التي تتحول فيها الموهبة إلى مشروع، والاهتمام إلى شغف، والتردد إلى ثقة، والطالب إلى مواطن يحمل رسالة وهوية.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه كل رئيس جامعة، وكل عميد لشؤون الطلاب، ليس: كم طالبًا تخرج هذا العام؟ ولا: كم بحثًا علميًا نُشر؟ ولا حتى: كم مركزًا تقدمنا في التصنيفات الدولية؟
بل سؤال واحد...
من هو الإنسان الذي خرج من جامعتنا؟
ذلك لأن الجامعات العظيمة لا تصنع التخصصات فقط، بل تصنع البشر.
ومن هنا تبدأ الحكاية التي لا تحظى بما تستحقه من الاهتمام في جامعاتنا... حكاية الهوية الجامعية.
فالهوية لا تُبنى داخل قاعة المحاضرات وحدها، ولا تُمنح في ورقة اختبار، ولا يختزلها المعدل التراكمي. إنها تتشكل في التجربة، وفي الحوار، وفي تحمل المسؤولية، وفي العمل الجماعي، وفي مواجهة الجمهور، وفي اكتشاف الذات.
وهنا تحديدًا يظهر الدور الحقيقي للأندية الطلابية.
للأسف، ما زال يُنظر إلى الأندية الطلابية في بعض جامعاتنا بوصفها جهات لتنظيم الفعاليات، أو المشاركة في المناسبات، أو ملء الفراغ بين المحاضرات. بينما تنظر إليها الجامعات الرائدة في العالم باعتبارها أحد أهم أدوات التربية الجامعية، لأنها البيئة التي يختبر فيها الطالب ذاته خارج حدود الكتاب والقاعة الدراسية.
فالطالب الذي ينضم إلى نادٍ إعلامي لا يتعلم التصوير أو التحرير فقط، بل يكتشف صوته، ويتعلم كيف يخاطب المجتمع. والذي يعمل في نادٍ علمي لا يكتسب معرفة إضافية فحسب، بل يتعلم كيف يحول الفكرة إلى مشروع. والذي يشارك في نادٍ تطوعي لا يضيف ساعات إلى سيرته الذاتية، بل يعيد تشكيل علاقته بمجتمعه وبقيم العطاء والمسؤولية.
إن الأندية الطلابية ليست مصانع للفعاليات...
إنها مصانع للهويات.
وهذا ما تؤكده الأدبيات الحديثة في التعليم العالي. فقد أثبتت أبحاث البروفيسور Alexander Astin، التي تُعد من أكثر الدراسات تأثيرًا في هذا المجال، أن اندماج الطالب في الحياة الجامعية خارج قاعة الدرس يرتبط مباشرة بنمو شخصيته، وتعزيز ثقته بنفسه، وارتفاع انتمائه للمؤسسة التعليمية، وتحسن أدائه الأكاديمي والمهني. ولم تعد الجامعات العالمية تنظر إلى هذه المشاركة بوصفها نشاطًا إضافيًا، بل باعتبارها جزءًا من مخرجات التعلم ذاتها.
ولهذا لا تستثمر جامعات مثل هارفارد وستانفورد وأكسفورد وكامبريدج في الأندية الطلابية لأنها تملك ميزانيات كبيرة، بل لأنها تؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المعرفة. فالطالب هناك لا يتخرج وفي رصيده ساعات أكاديمية فقط، بل تجارب صنعت شخصيته، وشكلت طريقته في التفكير، ورسخت هويته.
غير أن ثمة مصنعًا آخر للهوية، يبدو أنه اختفى تدريجيًا من المشهد الجامعي...
المسرح الجامعي.
ولعلنا ظلمنا المسرح حين اختزلناه في الترفيه.
فالمسرح الجامعي ليس خشبةً وستارةً وإضاءةً ونصًا تمثيليًا، بل مساحة تربوية يتعلم فيها الطالب كيف يقف أمام الناس، وكيف يعبر عن فكرة، وكيف يصغي للرأي المخالف، وكيف يعمل ضمن فريق، وكيف يحول النص إلى رسالة.
إنه المكان الذي يكتشف فيه الإنسان صوته.
وليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من الشخصيات العامة، والإعلاميين، والخطباء، والمفكرين، والفنانين في العالم كانت بداياتهم على مسارح الجامعات. فالمسرح لم يصنع شهرتهم، لكنه صقل حضورهم، وحرر شخصياتهم، ومنحهم الجرأة على مخاطبة المجتمع.
وحين يغيب المسرح الجامعي، لا نفقد نشاطًا ثقافيًا فقط، بل نفقد إحدى أهم البيئات التي تسمح للطالب بأن يكتشف نفسه قبل أن يكتشفه الآخرون.
وهنا تبرز القضية الأهم...
هل قامت عمادات شؤون الطلاب في جامعاتنا بالدور الذي أُنشئت من أجله؟
قد يبدو السؤال قاسيًا، لكنه مشروع.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف وظيفة شؤون الطلاب. فنجاحها لا ينبغي أن يُقاس بعدد الفعاليات التي نظمتها، ولا بعدد الصور التي نشرتها، ولا بعدد الأيام العالمية التي احتفت بها.
هذه مؤشرات نشاط...
وليست مؤشرات أثر.
أما الأثر الحقيقي، فهو أن نسأل بعد سنوات من تخرج الطالب:
هل خرج أكثر وعيًا بنفسه؟
هل اكتشف موهبته؟
هل أصبح أكثر قدرة على التعبير؟
هل تعلم كيف يختلف باحترام؟
هل وجد المجال الذي يشعر فيه بأنه يمثل نفسه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد نجحت الجامعة في أداء واحدة من أعظم رسائلها.
إن العالم يتجه اليوم إلى قياس الجامعات ليس فقط بمخرجاتها العلمية، بل أيضًا بمخرجاتها الإنسانية. وفي ظل رؤية المملكة 2030، التي جعلت تنمية القدرات البشرية محورًا استراتيجيًا، فإن الفرصة مهيأة لأن تعيد الجامعات السعودية النظر في فلسفة العمل الطلابي، وأن تنتقل من إدارة الأنشطة إلى هندسة التجربة الجامعية، ومن تنظيم الفعاليات إلى تشكيل الهوية.
ولعل البداية تكون بإعادة الاعتبار للأندية الطلابية، وإحياء المسرح الجامعي، ومنح عمادات شؤون الطلاب رسالة جديدة، يكون عنوانها:
لسنا نصنع فعاليات... نحن نصنع الإنسان.
فالشهادة قد تفتح باب الوظيفة...
أما الهوية، فهي التي تفتح أبواب الحياة.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري