عبدالوهاب الفايز
هذه الغطرسة الإسرائيلية ومعها العبث الايراني، هي التي تجعل (إتفاق مكة للدفاع المشترك) انعطافة استراتيجية كبرى في هندسة الأمن الإقليمي، وهذا ما أجمع عليه كل من عرف نواياه ومقاصده الواضحة الشفافة، لا غموض، ولا مناورة. إنه اتفاق يتجاوز كونه مجرد معاهدة تقليدية لتبادل الدعم العسكري، بل هو يؤسس لكتلة صلبة تجمع بين القوة المالية والاقتصادية (السعودية)، والتقدم التكنولوجي والصناعي الدفاعي (تركيا)، والعمق البشري والقدرات الإستراتيجية والنووية (باكستان).
وأثر هذا الاتفاق وحماية مصالح أطرافه الكبرى سوف نجدها في عدة أمور أساسية. أولها الأثر الذي يتركه على استقرار المنطقة، فالاتفاق سوف يوجد (رادع إقليمي) متعدد الأبعاد: سوف يُسهم في إرساء توازن قوي جديد يرفع بشكل كبير تكلفة أي مغامرة عسكرية أو عدوان محتمل من قبل أي طرف إقليمي أو دولي.
مبدأ الدفاع الجماعي يعني أن أي تهديد لأمن السعودية أو ممراتها الحيوية سيواجه برد منسق يمتد تأثيره الاستراتيجي إلى العمق الجغرافي للشرق الأوسط وجنوب آسيا، مما يعزز الاستقرار عبر قوة الردع الصريح.
وحق الردع المباشر الواضح لمسنا اثره الايجابي في الرد القوي على المليشيات الارهابيه الإيرانية في العراق بعد هجومها الأرهابي علي منشأتنا الحيوية.
أيضا - وهذا امر نوعي - هذا الاتفاق سوف يؤسس لمرحلة التحول نحو الأمن الذاتي المؤسسي للدول الثلاث مما يحمي المنطقة من حالة (الفراغ الأمني)، أو الاعتماد المفرط على تقلبات السياسة الغربية وعبثها الذي شهدناه في الثلاثة عقود الماضية. هذا العبث دعم وسهل قيام وتمدد مشروع الخمينية الطائفي الذي نشر الارهاب والخراب في المنطقة. لذا هذا الاتفاق يضع المقومات الأساسية لبناء منظومة أمن جماعي إقليمية ذاتية، قادرة على معالجة الأزمات الحدودية والبحرية (مثل أمن الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي) بمعزل عن التدخلات الخارجية المعقدة.
ومن الأمور المهمة الحماية من المخاطر. فالذي نأمله من الاتفاق حمايتنا من مخاطر الاستقطاب وتصعيد التوترات الإقليمية المناوئة لتطبيقات الاتفاق، بالذات مكائد الصهاينة واعوانهم؛ الاتفاق احدث زلزالا سياسيا، ومتوقع تحرك قوى إقليمية لتعزيز تحالفاتها المضادة له، أو تبني سياسات وقائية متوجسة. الذي نعرفه ونثق فيه هو الحكمة السياسية وحسن النوايا لدى قادة الدول الثلاث؛ نتوقع منهم إدارة دبلوماسية واعية وحذرة لمنع تحول منظومة الردع الجديدة إلى سباق تسلح إقليمي مفتوح. فالاتفاق هدفه الدفاع والردع، وليس إقامة الحروب وفرض الهيمنة كما يُلمّح ويروج المندسون في الاعلام الغربي والعربي، الخادمين لمصالح حكومة الملالي، او لمصالح المشروع الصهيوني في المنطقة.
كذلك هناك أمر مهم لهذا الاتفاق. سوف يعزز حماية مصالح الدول الكبار الموقعة. بالنسبة لبلادنا، المملكة العربية السعودية، الحمدلله أننا انشغلنا بالإعمار والبناء طيلة العقود الماضية، وما حققناه من مكاسب كبيرة وجودية وأساسية لاستقرار بلادنا تستحق التضحية للدفاع عنها مهما كان الثمن. نحتاج (حماية التحول الاقتصادي وتنويع الشراكات الدولية) التي أطلقناه، وهذا يتطلب التحرر الاستراتيجي الذي يعطينا المرونة الكبرى لحماية أمننا الوطني دون الارتباط الحصري بمظلة أمنية واحدة قد تتأثر بالمتغيرات السياسية الداخلية في الدول الكبرى.
كذلك نحتاج تأمين بيئة الاستثمار الواسعة التي نعمل عليها في مجالات الطاقة والدفاع والصناعات الأساسية، وهذه جميعا تحتاج الشراكات الدولية التي تجلب الخبرة والتمويل. لذا، الاتفاق يوفر المظلة الدفاعية الصلبة التي تحمي تطلعات الاستثمار، وجميع مسارات مشاريع التنمية الكبرى، ورؤى التحول الاقتصادية، والبنية التحتية الاستراتيجية من أي تهديدات قادمة.
أيضا هذا الاتفاق يخدم جمهورية تركيا ويعزز (العمق الإستراتيجي والعوائد الاقتصادية) التي تتوقعها. هذا الاتفاق كانت تتطلع إليه النخبة السياسية التركية منذ سنوات طويلة. فمنطلقات الاتفاق الحالية المعلنة تمس جوهر الفلسفة الجيوسياسية التي طرحها أحمد داوود أوغلو في كتابه المرجعي (العمق الإستراتيجي) والذي نُشر مطلع الألفية، وما جاء فيه من تصورات وافكار تبناها ونفذ اغلبها حزب العدالة، ومنها ضرورة وجود (الحزام الأمني الاستراتيجي) الذي يجمع الدول الثلاث. فتشكيل قوة إقليمية تجمع (السعودية، تركيا، وباكستان) يمثل التحقيق العملي لرؤية داوود أوغلو، ليس فقط كنص حرفي، بل كمنطق إستراتيجي لبناء (دولة مركزية).
في كتابه، جادل أوغلو بأن الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه تركيا لعقود هو قبولها بكونها (دولة حدودية) مهمتها حماية حدود حلف الناتو، بينما تاريخها وجغرافيتها يفرضان عليها أن تكون (دولة مركزية). وهذا ما يحققه واقعيا اتفاق مكة. فعندما تتحالف تركيا مع السعودية وباكستان، فهي تنتقل من كونها تابعاً أمنياً للغرب (او كما يقول أوغلو: مقاول تنفيذ) إلى كونها (مركز ثقل) إقليمي. هذه الدول تمثل الأضلاع الثلاثة لـ (مثلث القوة الإسلامي) الذي كان أوغلو يراه القلب النابض للجغرافيا السياسية الإسلامية.
كان أوغلو يشدد على أن أمن تركيا لا يبدأ من حدودها، بل من (عمقها الاستراتيجي) في البلقان، القوقاز، والشرق الأوسط.
اتفاق مكة يعيد تعريف «العمق»؛ حيث لم يعد العمق مجرد تأثير ثقافي أو دبلوماسي ناعم (كما كان في بدايات طرح أوغلو)، بل أصبح عمقاً أمنياً وعسكرياً مؤسسياً. هذا التحالف يربط بين المشرق الإسلامي (باكستان) والجزيرة العربية (السعودية) والأناضول (تركيا)، وهو ما يحقق بالضبط ما دعا إليه من (وحدة المصير الجيوسياسي). انه بديل خير وسلام وتنمية، بدل وحدة الساحات والمناحات!
كذلك أوغلو دعا في كتابه إلى تبني سياسة خارجية مستقلة قائمة على (الندية) بدلاً من التبعية. كان يرى أن الاعتماد الكلي على القوى العظمى يقلص هامش الحركة. وهذا ما يحققه تشكيل (منظومة أمنية) بين هذه الدول الثلاث. إنه يعني أنهم أدركوا - بعد ربع قرن من التنظير- أن الأمن لا يُستورد. هذا التحالف يحول الفكرة إلى مؤسسة، مما يمنح هذه الدول القدرة على ممارسة (الاستقلالية الاستراتيجية) التي نادى بها داوود أوغلو، حيث تصبح هذه الكتلة قادرة على فرض شروطها في أي شراكة دولية، بدلاً من أن تكون مجرد طرف في تحالفات يقودها الآخرون.
هناك فارق جوهري بين ما طرحه داوود أوغلو قبل 25 عاماً والواقع الحالي: التنظير مقابل التحديات. حين كتب داوود أوغلو نظريته، كانت البيئة الدولية والفكر السياسي يحتفي باطروحات (صراع الحضارات) وأوهام (نهاية التاريخ) والهيمنة القطبية الواحدة. أما اليوم، فالدول الثلاث تتحرك في سياق تعددية أقطاب مأزومة ومتصارعة، مما يجعل هذا التحالف ليس مجرد خيار استراتيجي، كما وصفه حينئذ أوغلو، بل: (ضرورة وجودية) للبقاء في نظام دولي متلاطم وغير مستقر.
وهذا التوجه نحو المحور الثلاثي هو التطبيق الأكثر وفاءً ومنطقيةً للعمق الاستراتيجي. لقد تحول مفهوم داوود أوغلو من فلسفة سياسية تعبر عن طموح تركيا للعودة إلى التاريخ والجغرافيا، إلى استراتيجية أمنية واقعية تفرضها متطلبات المرحلة. الدول الثلاث اليوم لا تبني هذا التحالف لتمارس القوة الناعمة فقط، بل لتمتلك القدرة الصلبة على تشكيل النظام الإقليمي، وهو ما يمثل في جوهره تحقيقاً طموحاً لما كُتب في أروقة الفكر السياسي قبل ربع قرن.
ولا ننسى المكاسب لجمهورية باكستان بالذات (العمق الاستراتيجي والمكاسب المالية). سوف يساعد في تخفيف الأزمات الهيكلية، فالاتفاق يتيح لباكستان شراكات اقتصادية وتمويلية واستثمارية كبرى تساهم في تخفيف حدة أزمتها الاقتصادية المزمنة. كذلك يعزز الدور الجيوسياسي، فالاتفاق يثبت مكانة باكستان كقوة إسلامية وازنة قادرة على لعب دور محوري في حفظ الاستقرار الإقليمي، بما يعزز وزنها التفاوضي في بيئتها الآسيوية والإقليمية.
بقي ان نقول إن منافع هذا الاتفاق تتعدى مصالح الدول الثلاث الى خدمة مصالح جميع الشعوب. فالقيمة العليا الكامنة في هذا الحلف الاستراتيجي تتمثل في كونه جداراً صلباً أمام النزاعات ومحاولات الاستقطاب والتخريب الإقليمي. فعلى طوال العقود الماضية، عانت منطقة الشرق الأوسط وفضاءاتها المجاورة، بالذات العالم العربي، من حالة غياب مشروع امني وسياسي موحد، مما أنتج رخاوة أمنية و (خواء استراتيجي) كما قال الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، في القمة العربية عام 2010؛ وهذا جعل منطقتنا مسرحاً مفتوحاً للتدخلات الخارجية، وساحة لتصفية الحسابات وصناعة الحروب الوكيلة التي لم تجلب سوى الدمار والخراب واستنزاف الثروات البشرية والمادية.
التحالف الثلاثي جاء ليمثل استجابة حكيمة ومسؤولة لمتطلبات اللحظة التاريخية، حيث تدرك العواصم الثلاث أن استقرار الإقليم لا يمكن أن يستورد من الخارج، ولا يمكن الوثوق بالضمانات المتذبذبة للقوى العظمى التي تدير الصراعات وفق مصالحها الخاصة دون اكتراث بآلام شعوب المنطقة.
ومن هنا، فإن إرساء (مرجعية سياسية وعسكرية مشتركة)، تنطلق من أرضية تضامن إسلامي فاعل ومؤسسي، يقدم للمرة الأولى منذ عقود طويلة (وثيقة الأمن الذاتية) تمنع الانزلاق نحو الحروب، وتفرض قواعد ردع صارمة تجعل أي مغامرة عدوانية تكلفة باهظة لا يمكن لأي طرف تحملها، مما يعيد طمأنة شعوب المنطقة بأن أمنها صار في أيدي أبنائها الأكثر حرصاً على مقدراتها.