نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
بعض الوداع لا يكون وداع أشخاص، بل وداع مرحلة كاملة من العمر.
اليوم نودّع مُربيتنا بعد رحلة امتدت قرابة خمسة وثلاثين عاماً، حتى بدا وكأنها صفحة ثابتة في كتاب حياتنا، لا نتخيل أن يأتي يوم تُطوى فيه.
دخلت منزلنا ونحن في أعمار مختلفة، ورأتنا نكبر عاماً بعد عام، شهدت أفراحنا، ووقفت إلى جانبنا في لحظات الحزن، وكانت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية حتى أصبحت جزءاً من ذاكرتنا قبل أن تكون جزءاً من منزلنا.
خمسة وثلاثون عاماً... عبارة يسهل نطقها، لكنها تختصر آلاف الأيام، وملايين اللحظات، والكثير من القصص التي لا تُكتب، لأنها عاشت في القلب لا على الورق.
اليوم ونحن نودعها، شعرت لأول مرة أن الزمن ليس سريعاً كما كنا نظن، بل هو أسرع بكثير، فمن كان بالأمس يستقبلها على باب المنزل شاباً في مقتبل العمر، يقف اليوم مودعاً لها وقد أصبح أباً تغيّرت ملامحه، وتبدلت مسؤولياته، ورحل من رحل، وكبر من كبر، وبقيت الذكريات شاهدة على أن العمر يمضي بصمت.
تدرك في مثل هذه اللحظات أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات، وإنما بمن شاركك تفاصيلها، فهناك أشخاص لم تجمعك بهم صلة دم، لكن الأيام صنعت بينك وبينهم روابط لا يمكن تفسيرها إلا بالوفاء.
ولعل أجمل ما يتركه الإنسان خلفه ليس ما امتلكه، ولا ما جمعه، بل الأثر الطيب الذي يبقى في قلوب الناس بعد رحيله، وهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا تكتبه الشهادات، بل تكتبه المعاملة الحسنة، والابتسامة الصادقة، والإخلاص الذي يستمر سنوات طويلة دون أن يطلب مقابلاً.
في واقع الحال لم نكن نودّعها لوحدها، بل كنا نودّع خمسةً وثلاثين عاماً من أعمارنا، ونودّع أياماً مضت، ووجوهاً تغيّرت، وأطفالاً كبروا، وضحكاتٍ أصبحت ذكريات، وبيوتاً امتلأت بالحياة ثم غادرها من غادر.
في مثل هذه اللحظات، ندرك أن الزمن لا يسرق أعمارنا دفعةً واحدة، بل يأخذها منا بهدوء... يوماً بعد يوم، حتى يأتي يوم الوداع، فنلتفت خلفنا فلا نجد إلا ذكرياتٍ نحمد الله أننا عشناها، وأشخاصاً ندعو لهم لأنهم كانوا جزءاً جميلاً من رحلتنا.
شكرًا ولن توفيك... لم تكوني مجرد عاملة في منزلنا أو مُربيّة، بل كنتِ شاهدةً على عمرٍ كامل، وسيبقى لكِ في قلوبنا مكانٌ لا يملأه الغياب، وفي دعواتنا نصيبٌ لا ينقطع بإذن الله.
نسأل الله عزّ وجل أن يشرح قلبها للإسلام على ما قدمته، وأن يكتب لها الصحة والعافية وأن يحفظها ويحفظ والديّ وعائلتي ويمتعهم بالصحة والعافية.