«الجزيرة» - وائل العتيبي:
منذ أن أعلنت صحيفة «الجزيرة» عام 1974 في خبر عن إقامة أول بطولة للشطرنج في الرياض، قطعت اللعبة في المملكة مسارًا طويلًا؛ من مبادرات الهواة إلى منظومة رياضية مؤسسية، ومن ممارسة محدودة الانتشار إلى بطولات تستقطب اللاعبين واللاعبات، وتفتح الطريق أمام حضور سعودي أوسع على الساحتين الإقليمية والدولية.
اليوم، 9 أغسطس 2026، تتواصل في جدة التاريخية منافسات بطولة موسم جدة للشطرنج 2026، التي انطلقت في الأول من أغسطس في «ميدان الثقافة»، بعد أن دشّن رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للشطرنج، الدكتور محمد المسعودي، منافساتها بالنقلة الأولى، بحضور نخبة من اللاعبين واللاعبات. وتستمر البطولة حتى 14 أغسطس، بمجموع جوائز يبلغ 60 ألف ريال، وينظمها الاتحاد بالتعاون مع جمعية كتايا للرياضات الذهنية.
تأتي البطولة في أيامها الأخيرة لتمنح الشطرنج حضورًا مختلفًا داخل جدة التاريخية؛ فالمكان، بما يحمله من ذاكرة ثقافية وتنوع حضاري، يستضيف لعبة تقوم على التفكير والتحليل والتركيز وقراءة الاحتمالات وإدارة القرار، لتتقاطع الرياضة الذهنية مع المشهد الثقافي والترفيهي الذي تقدمه المنطقة ضمن فعاليات «صيفنا على كيفنا».
الشطرنج.. ما وراء الرقعة
لا تقوم أهمية الشطرنج على التنافس وحده؛ فاللعبة تدرب على بناء الاحتمالات، واستباق النتائج، والموازنة بين المخاطرة والمكسب، واتخاذ القرار تحت ضغط الوقت. ومن هنا ارتبطت تاريخيًا بتنمية المهارات الذهنية والتعليم، فيما توفر البطولات للاعبين، ولا سيما الناشئين، بيئة عملية لاختبار التركيز والانضباط والقدرة على التعامل مع المنافسة والنتائج.
في المملكة، لم يبدأ حضور الشطرنج مع تأسيس الاتحاد؛ إذ تعود أولى البطولات المحلية إلى عام 1974 في الرياض، قبل تأسيس النادي السعودي للشطرنج عام 2010، ثم الجمعية السعودية للشطرنج عام 2013، التي حصلت على عضوية الاتحاد الدولي للشطرنج وأقامت أول بطولة مصنفة دوليًا في المملكة.
وفي 2017 تأسس الاتحاد السعودي للشطرنج ليصبح المظلة المؤسسية المشرفة على تطوير اللعبة وتنظيم مسابقاتها وتمثيل المملكة دوليًا. وفي العام ذاته، استضافت الرياض بطولة الملك سلمان العالمية للشطرنج بمشاركة نخبة من نجوم اللعبة عالميًا، في محطة عززت حضور المملكة على خريطة الشطرنج الدولية.
يعمل الاتحاد على نشر ثقافة الرياضات الذهنية، ورفع المستوى الفني للاعبين والمدربين والحكام، وتنظيم البطولات وفق المعايير الدولية، وتهيئة اللاعبين واللاعبات للمنافسات الخارجية، إلى جانب اكتشاف المواهب وتطوير الناشئين وتعزيز مشاركة المرأة وبناء الشراكات مع المدارس.
كما اتجه الاتحاد إلى توسيع قاعدة الممارسة رقميًا بإطلاق النادي الرقمي عام 2022 لاستقطاب اللاعبين واللاعبات من مختلف الفئات السنية، وتنظيم بطولات للهواة والمحترفين.
جدة.. النقلة الأبعد
تمنح إقامة البطولة في جدة التاريخية الحدث دلالة تتجاوز حدود المنافسة؛ فالمدينة التي تشكلت تاريخيًا من تفاعل الثقافات والأفكار، تستضيف لعبة عالمية تقوم هي الأخرى على قراءة الآخر وفهم خياراته وبناء القرار.
وبذلك لا تمثل بطولة موسم جدة مجرد منافسة تنتهي في 14 أغسطس، وإنما حلقة في مسار أوسع لتحويل الشطرنج السعودي إلى منظومة مستدامة لصناعة اللاعبين والأبطال، من خلال البطولات والاحتكاك والتدريب والتأهيل.
وبين البطولة التي أعلنت عنها «الجزيرة» في الرياض عام 1974، والبطولة التي تتواصل منافساتها اليوم في جدة التاريخية، تتضح المسافة التي قطعتها اللعبة خلال أكثر من خمسة عقود: من رقعة الهواة إلى الرياضة المنظمة، ومن الممارسة الفردية إلى صناعة المواهب، ومن نشاط محدود إلى طموح يضع الشطرنج السعودي على خارطة المنافسة الدولية.