وائل العتيبي - جدة:
لا تبدو عودة الفنان المصري تامر عاشور إلى جدة في 27 أغسطس مجرد موعد جديد على أجندة الحفلات؛ فبينه وبين المدينة حكاية صنعتها الأغنية والجمهور والمكان معًا، بدأت من سماعات السيارات على طريق الملك، وانتهت بواحدة من أكثر الظواهر ارتباطًا بأغنية عربية بجمهور مدينة سعودية.
وبرعاية الهيئة العامة للترفيه، وضمن فعاليات موسم جدة، يلتقي عاشور جمهوره على مسرح عبادي الجوهر أرينا، في ليلة منتظرة يقدم خلالها نخبة من أشهر أعماله، إلى جانب عدد من أغنيات ألبومه الجديد «مراية الحب»، بمصاحبة الأوركسترا بقيادة المايسترو هاني فرحات.
غير أن خصوصية هذه العودة لا تكمن في قائمة الأغنيات وحدها؛ بل في علاقة استثنائية نسجها جمهور جدة مع أغنية «هيجيلي موجوع»، بعدما خرجت من إطار الاستماع المعتاد، وارتبطت تدريجيًا بمشهد طريق الملك، عبر مقاطع مصورة لجمهور يستمع إليها أثناء القيادة، لتتحول مع الوقت إلى ما يشبه الطقس الموسيقي المرتبط بالمكان.
ففي جدة، لم تعد الأغنية مجرد عمل عاطفي يروى عبر الكلمات والألحان، وإنما أصبحت جزءًا من مشهد المدينة؛ طريق ممتد، وأضواء ليلية، وسيارات تمضي في إيقاعها اليومي، وأغنية ترافق لحظة شخصية يختار صاحبها أن يوثقها ويشاركها مع الآخرين.
واللافت أن هذه العلاقة لم يصنعها الفنان أو حملة ترويجية معلنة، وإنما صنعها الجمهور نفسه. وقد التقط تامر عاشور هذه الظاهرة، بعدما كان يسمع من جمهوره عبارة: «نسمع أغنيتك في طريق الملك»، قبل أن يكتشف حجم انتشار المقاطع المصورة من الطريق.
ولم يتعامل عاشور مع الظاهرة باعتبارها مجرد حالة عابرة؛ بل تفاعل معها بنفسه، وزار طريق الملك وصوّر هناك، متحدثًا بروح الدعابة عن ارتباط اسمه بالأغنية والطريق. وفي حفله بجدة عام 2024، اكتملت الإشارة بصريًا عندما ظهرت لقطات لطريق الملك على شاشات المسرح أثناء أدائه «هيجيلي موجوع»، في تحية واضحة للجمهور الذي منح الأغنية ذاكرتها الجداوية الخاصة.
ولعل الأهم في هذه الحكاية أن عاشور نفسه نسب جانبًا من نجاح الأغنية إلى الجمهور السعودي؛ إذ أكد أن أهل جدة أسهموا في نجاح «هيجيلي موجوع»، كما سبق أن وصف جمهور جدة بأنه «رائع جدًا وملهم»، وقال في مناسبة أخرى عبارة تختصر علاقته بالمدينة: «جمهور جدة مختلف».
وفي عودته المرتقبة، يستعيد عاشور علاقة بدأت بعيدًا عن المسارح؛ من الطريق إلى الأغنية، ومن الأغنية إلى الجمهور، ثم من الجمهور إلى الفنان نفسه. وهي دائرة نادرة في صناعة الموسيقى، حين لا يكتفي الجمهور بتلقي العمل، بل يمنحه سياقًا جديدًا وذاكرة مرتبطة بمكان بعينه.
ويحمل الحفل المنتظر ملامح ليلة تجمع بين أرشيف عاشور الغنائي وأعماله الجديدة، في حضور الأوركسترا بقيادة هاني فرحات، بما يتيح للجمهور استعادة الأغنيات التي رافقت سنوات من الذكريات، واكتشاف ما يقدمه مشروعه الغنائي الجديد.