أ.د.صالح معيض الغامدي
هذه المقالة ورقةٌ قدمتها في الندوة التكريمية التي عقدتها جمعية اللهجات والتراث الشعبي بجامعة الملك سعود احتفاءً بالشيخ العبودي -رحمه الله- بتاريخ 10/6/2008م، ولم تُنشر.
على الرغم من مصطلح «الرحلة» الوارد في عنوان الكتاب، فإن هذا العمل لا ينتمي إلى جنس الرحلة وحده، بل تتجاذبه أجناسٌ كتابية ذاتية متعددة، مثل اليوميات، والسيرة الذاتية، والمذكرات، ولعل أقرب تصنيف له هو «الرحلة اليومياتية». ويبدو أن هذا الشعور بالارتباك التجنيسي كان حاضرًا لدى الكاتب نفسه، كما يتجلى في عنوانه الفرعي: «رحلة وأحاديث عن أحوال المسلمين». فهذه «الأحاديث» يمكن أن تُصاغ بأكثر من أسلوب، وأن تنتمي إلى أكثر من جنس أدبي، لكنها في النهاية أحاديث ذاتية تندرج فيها اليوميات والمذكرات والسيرة الذاتية. ويتأكد هذا التذبذب التجنيسي في مقدمة الكتاب، حين يقول العبودي: «فإن هذا الكتاب مذكرات يومية سجلت فيها ما شاهدته أو سمعت به مما يتعلق بما شاهدته، وما استنتجته من ذلك…».
وللعبودي طريقته الخاصة في كتابة الرحلات، وهي طريقة يتبناها ويدافع عنها أحيانًا عندما تتعرض للنقد. فهو يشير إلى أن بعض القراء ينتقدون أسلوبه في كتابة الرحلة؛ لأنه ليس عميقًا بالمعنى التقليدي، ولأنه سهل اللغة، ويهتم بما يعده بعضهم أمورًا تافهة. ويبرر العبودي ذلك بأنه يكتب منطلقًا من سجيته في الكتابة، ومن عادته في تسجيل المرئيات والملاحظات. ولا شك أن هذا النوع من الكتابة يرضي كثيرًا من القراء، وإن انتقده بعضهم.
ولا يمانع العبودي من توجيه النقد إلى كتاباته، لكنه، في المقابل، يصر على أن من حقه أن يكتب بالطريقة التي يريدها، وهي الطريقة التي يفضلها أيضًا كثير من القراء، ممن يحبون الدخول إلى أعماله ورحلاته كما يدخل المرء غابةً كثيفة، يتجول فيها دون معرفة مسبقة بتفاصيلها ومنعرجاتها، مستمتعًا بكل ما يراه ويسمعه ويتخيله. ولعل أبرز ما يميز رحلات العبودي أمران: أولهما شدة ارتباطها بالواقع وقضايا العصر، وثانيهما أنها تتبنى، في الغالب، البنية اليومياتية أكثر من تبنيها البنية التاريخية التدرجية (الكرونولوجية).
وقوام الرحلة اليومياتية التي نتحدث عنها هنا، والتي تستغرق سبعة أيام وتقع في (159) صفحة، هو التفاصيل الكثيرة الدقيقة، والأسلوب الذي يمكن وصفه بـ«السهل الممتنع». وهذا -في رأيي- أسلوب متعمد، وليس عفويًا كما ذكر العبودي في مقدمة الكتاب.
مكونات الرحلة اليومياتية
هناك عدة مكونات أساسية قامت عليها هذه الرحلة، من أبرزها:
1. الأحداث: وأكثرها أحداث ذاتية مرتبطة بسفر الرحالة العبودي، وإقاماته، وتنقلاته.
2. المشاهدات: وقوامها الوصف الدقيق للأشياء والأماكن، وبخاصة المساجد، ومظاهر الطبيعة، والناس، ولا سيما النساء، والأسواق، والعادات، والتقاليد. ويلاحظ تركيز العبودي في وصفه لمشاهداته على العجيب والغريب، مثل كثرة لحم القرود في بعض الأسواق، والحديث عن الجني الذي يسبب الحوادث، إلى غير ذلك.
3. المقارنات: وهي مقارنات يعقدها بين أوضاع البلد الذي يرتحل إليه وأوضاع بلدان أخرى سبق أن زارها.
4. التحليلات: فالعبودي لا يكتفي بالمشاهدة والوصف، بل يقدم تحليلاته لبعض مظاهر الحياة في البلد الذي يزوره، ولعدد من الظواهر الدينية والاجتماعية والسياسية التي يراها أو يسمع عنها.
5. الانطباعات: إذ يفسر بعض القضايا اعتمادًا على انطباعه الشخصي في بعض الأحيان، فيقول -على سبيل المثال-: «وانطباعي أن ما ذكره عن عدد المسلمين مبالغ فيه».
6. التأملات: وتضم هذه الرحلة عددًا من التأملات الذاتية التي يبدأها العبودي بعبارات من قبيل: «قلت في نفسي»، أو «سألت نفسي»، وتكثر هذه التأملات أثناء وجوده في الطائرة.
7. البعد البصري: ويتمثل في الصور الفوتوغرافية المصاحبة للنص، مثل صورة «القرود المشوية»، وصورة «الماعز القصيرة القوائم». ويلاحظ في هذا السياق أن التصوير اللغوي جاء أكثر دقة وثراءً من الصور الفوتوغرافية المصاحبة، على غير المألوف؛ إذ غالبًا ما تُستدعى الصورة عندما تعجز اللغة عن الإحاطة بالمشهد، أما في هذه الرحلة فإن الصور تبدو أقل ثراءً من التصوير اللغوي الدقيق والباذخ، وهو ما يمكن عده مفارقةً لافتة.
وخلاصة القول أن العبودي يمزج في هذا الكتاب بين الرحلي والسيرذاتي مزجًا موفقًا، حتى تبدو السيرة الذاتية رحلة، وتبدو الرحلة سيرةً ذاتية. ولعل هذه الخصيصة تمثل أبرز مزايا هذا الكتاب، وربما كانت أيضًا من أبرز سمات كتبه الرحلية الأخرى.