«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم تأتِ أنغام إلى جدة لتقديم ألبوم جديد فحسب، بل لتضع أغنياتها في مواجهتها الأكثر صدقًا: الجمهور. ومن مسرح عبادي الجوهر أرينا، وفي ليلة كاملة العدد ضمن فعاليات موسم جدة وبرعاية الهيئة العامة للترفيه، انتقلت أغنيات ألبومها الجديد «دي روحي» من فضاء التسجيل إلى فضاء الأداء الحي، حيث يتحول الصوت إلى ذاكرة، والكلمات والألحان إلى حالة مشتركة بين الفنان ومستمعيها.
وفي هذه الليلة، بدا «دي روحي» امتدادًا طبيعيًا لمسيرة أنغام الفنية، أكثر من كونه محطة منفصلة فيها؛ فقد قدمت عددًا من أغنيات الألبوم للمرة الأولى أمام الجمهور، قبل أن تعود إلى مجموعة من أبرز أعمالها التي ارتبطت بذاكرة المستمع العربي على مدى سنوات، لتنسج قائمة غنائية جمعت بين راهن التجربة وعمقها المتراكم.
ولم تغفل أنغام عن الاحتفاء بصناع ألبومها، إذ حرصت على الترحيب بهم وتقديمهم إلى جمهورها خلال الحفل، في لفتة تعكس طبيعة صناعة الأغنية العربية بوصفها عملًا جماعيًا تتكامل فيه الكتابة والتلحين والتوزيع والأداء والموسيقى والإنتاج، قبل أن تصل الأغنية إلى صورتها النهائية.
وفي الحفل، حضرت الأغنية الجديدة بوصفها تجربة تنتظر اكتمالها مع الجمهور؛ فمهما بلغت الأغنية من نضج داخل الاستوديو، فإن لحظة اللقاء الأولى مع المستمع تظل اختبارًا مختلفًا، إذ تنتقل من التسجيل إلى التفاعل، ومن الصوت المسجل إلى الإحساس الحي.
وكانت العفوية واحدة من أجمل تفاصيل الأمسية؛ حين بدأت إحدى الحاضرات بغناء مقطع من إحدى أغنيات أنغام القديمة، لتشاركها الفنانة الغناء من فوق المسرح، قبل أن تقول ضاحكة إن الأغنية يعود تاريخها إلى أكثر من عشرين عامًا وإنها نسيتها، واعدة جمهورها بتقديمها في الحفل المقبل.
ولم تكن تلك اللحظة العابرة مجرد موقف طريف، بل كشفت طبيعة العلاقة التي صنعتها أنغام مع جمهورها عبر سنوات طويلة؛ فالمستمع هنا لا يكتفي بتلقي الأغنية، وإنما يستدعيها من الذاكرة، ويعيدها إلى الفنان بصوته، لتصبح الأغنية مساحة مشتركة بين زمنين: زمن ولادتها الأولى، وزمن استعادتها على المسرح.
وعلى مدى أكثر من ساعتين، حافظت الأمسية على هذا الحوار بين الماضي والحاضر؛ فتنقلت أنغام بين أغنيات «دي روحي» وعدد من أعمالها البارزة، وسط تفاعل واسع من الجمهور، في مشهد يؤكد أن حضور الفنان لا يُقاس بجديده وحده، وإنما بقدرته على تحويل رصيده الفني إلى تجربة حية تتجدد مع كل لقاء.
وعلى المستوى البصري، قدمت بنش مارك تجربة إنتاجية متكاملة رافقت الموسيقى دون أن تطغى عليها، من خلال الإضاءة والشاشات والتقنيات المسرحية الحديثة، لتشكّل الصورة امتدادًا للموسيقى، وتمنح الأغنية فضاءً بصريًا يعزز حضورها فوق الخشبة.