يقف اللسان عاجزاً بمَ يصف عظمة كتاب الله تعالى يبهر الأذهان ببلاغته ويدهش العقول بمعجزاته، قال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (سورة: فصلت، آية: 42). يقول ابن جريج: لا يأتيه الباطل فيما أخبر عما مضى ولا فيما أخبر عما يكون. وعن ابن عباس: {مِن بَيْنِ يَدَيْهِ} من الله تعالى: {وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} يريد من جبريل -صلى الله عليه وسلم- ولا من محمد صلى الله عليه وسلم.
والله ما هذا كلام بشر (عمر بن الخطاب)، والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته (الوليد بن المغيرة). وتذكر المستشرقة الألمانية أنا ماريا شميل (Annemarie Schimmel): «القرآن هو كلمة الله، موحاة بلسان عربي مبين، وترجمته لن تتجاوز المستوى السطحي، فمن ذا الذي يستطيع تصوير جمال كلمة الله بأي لغة؟! ويقول المستشرق «فون هامر» في مقدمة ترجمته لمعاني القرآن:
«القرآن ليس دستور الإسلام فحسب، وإنما هو ذروة البيان العربي، وأسلوب القرآن المدهش يشهد على أن القرآن هو وحي من الله، وأن محمداً قد نشر سلطانه بإعجاز الخطاب، فالكلمة لم يكن من الممكن أن تكون ثمرة قريحة بشرية».
وكما هو معلوم أن الأنبياء وهبهم الله وأجرى على أيديهم معجزات آمنا بها ولم نرها بأم أعيننا كعصا موسى، وكإحياء الموتى لعيسى، ونبع الماء من الأصابع لمحمد، أمّا القرآن الكريم فهو معجزة النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم الخالدة الباقية التي يراها العالم أجمع إلى قيام الساعة يثبتُ صدق الرسالة المحمديّة التي يبدد سناها حُلكة الظلام، وتقود إلى الصلاح، وتنير طريق الحياة، وتهدي إلى الحق. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (سورة: الصف، آية: 9).
وعلى هذه المعجزة الخالدة اهتدى العالم الفرنسي موريس بوكاي رحمه الله فكانت بحوثهُ دليلاً إلى طريق هداه وإسلامه ومن بحوثه التي يطابق فيها بين نصوص الكتب السماوية مع العلم الحديث هو وجود اسم «هامان» في القرآن وتكراره ست مرات، واحدة في سورة العنكبوت، وثلاث مرات في سورة القصص، ومرتين في سورة غافر.
اللغة الهيروغليفية
هي كتابة تصويرية يستخدمها المصريون القدماء قبل ميلاد عيسى عليه السلام بمدة طويلة أيام الفراعنة.
وسيلة فك رموز الهيروغليفية
كانت وسيلة فك رموز الهيروغليفية عن طريق اكتشاف حجر يسمى «حجر رشيد» والذي يعود تاريخه إلى 196 قبل الميلاد ويعتبر - أي هذا الحجر - بمثابة مفتاح فك الرموز الهيروغليفية.
والسؤال المهم، متى عُثِرَ على هذا الحجر؟
تقول البوابة الإلكترونية محافظة القاهرة في 19 يوليو عام 1799م تم اكتشاف حجر رشيد في قلعة سان جوليان بمدينة رشيد من قبل الضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار، إبان الحملة الفرنسية على مصر. تعود قصة اكتشاف حجر رشيد عندما جاءت الحملة الفرنسية عام 1798م بقيادة نابليون بونابرت، واستمرت بالتقدم عبر مدينة رشيد، وعثر الضابط بيير فرانسوا بوشار على الحجر المصنوع من البازلت. وبعد اكتشاف حجر رشيد تم الإعلان عن هذا الاكتشاف في الصحيفة التي كانت تصدرها الحملة لمقاتليها، وسمى بحجر رشيد لأنه اكتشف بمدينة رشيد الواقعة على مصب فرع نهر النيل في البحر المتوسط.
بيت القصيد وموضوع مقالنا
بعد فك الرموز وتدوين ما جاء في النقوش الهيروغليفية وعمل قاموس لها، تقدم الطبيب الفرنسي «بوكاي» رحمه الله إلى شخص اسمه «دين» وهذا الشخص المسمى «دين» على علمٍ باللغة الهيروغليفية والعربية معاً، فقال الطبيب الفرنسي إن «هامان» اسم موجود في القرن السادس ميلادي، أقول: لعلّ بوكاي يقول ذلك على وجه التقريب وإلا فمعروفٌ أن القرآن نزل واكتمل في القرن السابع. أصيب «دين» بالذهول فقال: هذا مستحيل لأن الهيروغليفية ظلت مجهولة ما بين القرن الثالث الميلادي حتى القرن التاسع عشر لما تمكن الباحث شامبليون من فك شفرتها عبر قراءة حجر رشيد. فسألّ «موريس بوكاي» الشخص المسمى «دين» عن معنى اسم «هامان» فأجابه أنه من العوائل الفرعونية وأرشده إلى مكتبة كلية (دو فرونس) للبحث عن اسم «هامان» ووظيفته في القاموس المعروف للألماني «رنكي» والاكتشاف الصاعق الذي عاد به «موريس بوكاي» إلى «دين» أن المعجم الهيروغليفي يذكر أن «هامان رئيس العمال في المحاجر الفرعونية» والنص القرآني هو: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} الآية. فوضع «دين» يده على خده وقد اهتز وجدانه وتزلزلت أركانه ليعرف أن هذا القرآن معجزة خالدة تثبت صدق الرسالة المحمدية. ويذكر طاهر حليسي -الذي استفدتُ منه- أن «دين» اقترح على «موريس بوكاي» التعاون في تأليف كتاب عن «هامان» لكن الموت أبعد الثاني عن الأول.
ختاماً: هذا المقال ليس جديداً ولكنه يتجدد لقوة تأثيره في النفس، ولقد توج العالم موريس بوكاي اكتشافه بأعظم تتويج ألا وهو اعتناقه للدين الإسلامي، وقد ألّف عن محمد بن عبدالله الشرقاوي عن المذكور كتاباً.. رحمك الله يا موريس بوكاي فلقد أضفت لعلم الآثار اكتشافاَ جسيماً يذهل العقل ويُنْزِلُ القشعريرة ويشخص البصر.
فيا ليت شخصاً يتصدى لجمع اكتشافات الغربيين كما فعل - على سبيل المثال - د.أنور محمود زناتي ولكن بإضافة وزيادة ليصبح عملاً موسوعياً متكاملاً ويترجم كذلك.
** **
- فهد الدهمش الدوسري