الْكَرَامَةُ لَا تَنْتَهِي بِالرَّحِيلِ: نَحْوَ إسْتِرَاتِيجِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ مُقْتَرَحَةٍ لِلْعِنَايَةِ بِمَقَابِرِ المُحَافَظَاتِ وَالْقُرَى النَّائِيَةِ فِي ضَوْءِ رُؤْيَةِ 2030
«إنّ اللهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ» (رواه مسلم)
إنَّ قياسَ حضارةِ الأممِ ووفاءِ الشعوبِ لا يتوقفُ فقط عندَ كيفيةِ احتفائِها بالأحياء، بل يتجلى في أبهى صورِهِ في كيفيةِ إكرامِها للموتى؛ فالقبورُ ليست مجردَ مساحاتٍ من التراب، بل هي مستقرٌّ لأبناءِ هذا الوطنِ الذين ساهموا يوماً في بنائه، ولهم علينا بعد رحيلِهم حقُّ الحمايةِ والإكرام، امتثالاً لتعاليمِ دينِنا الحنيفِ الذي جعلَ حرمةَ الميتِ كحرمتِهِ حيّاً؛ حيث قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا» (رواه أبو داود وابن ماجة)، وترسيخاً للقيمِ النبيلةِ القائلة: «مَنْ أكرَمَ الميتَ فقد أكرَمَ الحيَّ».
غيرَ أنَّ الجولةَ في بعضِ المحافظاتِ والقرى النائيةِ تكشفُ واقعاً مؤلماً لمقابرَ أصبحتْ في طيِّ النسيان؛ جدرانٌ متهالكةٌ تتداعى، وأبوابٌ أكلَها الصدأُ، وشواهدُ غطَّتْها الحشائشُ والأشواك. إنَّ هذا الإهمالَ لا يتوقفُ عند حدودِ التشوهِ البصريِّ الذي تسعى رؤية السعودية 2030 للقضاءِ عليهِ ضمنَ مستهدفاتِ تحسينِ المشهدِ الحضريِّ وجودةِ الحياة، بل يتعداهُ إلى مخاطرَ أشدَّ؛ إذ تحولتْ بعضُ هذه المقابرِ المهجورةِ إلى مأوىً للحيواناتِ الضالة، بل وأصبحتْ عرضةً لانتهاكِ حرمتِها من قبلِ العابثينَ أو ضعافِ النفوس، وكأننا نسينا أنَّ كرامةَ الإنسانيةِ لا تسقطُ بالوفاة. إذ إنَّ إكرامَ الموتى وخدمةَ ذويهم ليتمكنوا من زيارتِهم وأُنْسِ وحشتِهم، يعكسُ احترامَنا للمُتَوَفَّيْنَ ولأُسَرِهِم؛ فالمقابرُ ليستْ فقط أماكنَ لدفنِ الموتى، بل هي أيضاً مكانٌ يزورُهُ الأحبابُ لتذكُّرِ أحبَّائِهم والدعاءِ لهم، تأسيّاً بأمرِ الرسولِ الكريمِ - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ» (رواه مسلم).
ومن أجلِ حقِّ الميتِ.. وتيسيرِ حقِّ الحيِّ؛ نؤكدُ أنَّ من حقِّ كلِّ مواطنٍ وارَى جثمانَهُ ثَرَى هذا الوطنِ أن ينامَ في مستقرٍّ محميٍّ ومحترم. وفي المقابل، فإنَّ من حقِّ الزائرِ - ابناً كان يدعو لوالديه، أو صديقاً يزورُ رفيقه - أن يصلَ إلى القبرِ بكلِّ يسرٍ وسهولةٍ، لِيُؤَدِّيَ سُنَّةَ الزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ فِي مَكَانٍ نَظِيفٍ وَمُهَيَّأٍ يَنْبَضُ بِالحُرْمَةِ وَالسَّكِينَةِ، دُونَ أَنْ يَتَعَثَّرَ بِالأَشْوَاكِ أَوْ تَسُوءَهُ كآبةُ المَنْظَرِ؛ فَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ -عليه الصلاة والسلام-: «أَنَّ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ» (متفق عليه)، وَإِنَّ إِزَالَةَ الأَذَى عَنْ مَمَرَّاتِ المَقَابِرِ وَصِيَانَتَهَا لَهِيَ مِنْ أَوْجَبِ أَبْوَابِ هَذَا الإِحْسَانِ وَتَمَامِ الإِيمَانِ.
وقال الشاعرُ في الوفاءِ للراحلينَ والدعاءِ لمضاجعِهم:
سَقَى اللهُ أَرْضاً حَلَّ فِيهَا أَحِبَّةٌ
وَجَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ وَهَتُونُ
فَإِنَّ لَهُمْ فِي المَكْرُمَاتِ مَكَانَةً
وَإِنَّ لَهُمْ فِي العَاطِفَاتِ حَنِينُ
فإنَّ من الوفاءِ لهؤلاء الراحلينَ أن نصلَ إلى مراقدِهم بإحسانٍ ونظافة، وهنا يتبادرُ إلى أذهانِنا سؤالٌ مشروع: لماذا لا تكونُ جميعُ مقابرِنا في المحافظاتِ والقرى بمستوى النظافةِ والتنظيمِ الذي نراهُ في المقابرِ الكبرى، كمقبرةِ المعلاةِ في مكةَ المكرمة (أليسوا مواطنينَ لوطنٍ واحد).
أليس من وُورُوا في القرى النائيةِ مواطنينَ لأمةٍ واحدةٍ ووطنٍ واحد (أليس لساكنيها ولزائريها نفسُ الحقِّ في الإكرامِ والعناية) نهتفُ هنا من مكةَ إلى أقصى القرى: - كرامةُ الموتى وطنٌ واحد! ولذا، لا بدَّ أن نسعى نحو آليةٍ موحدةٍ وشراكةٍ مجتمعيةٍ دائمة، لتحقيقِ كرامةِ الأمواتِ بوفاءِ الأحياءِ ومسؤوليتِهم، حتى لا يطالَ قبورَ أحبتِهم الهجرُ والنسيان. قال اللهُ تعالى في كتابِهِ الكريم: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، [المائدة: 2].
وإنَّ الحكمةَ تقضي بأن: «الجَهْدَ الفَرْدِيَّ مَهْمَا بَلَغَ، يَبْقَى قَاصِرًا مَا لَمْ تَعْضُدْهُ المَجْمُوعَةُ»؛ لذا فإنَّ الحلَّ لا يكمنُ في مبادراتٍ فرديةٍ أو حملاتِ تنظيفٍ موسميةٍ سرعانَ ما تتلاشى، بل يستوجبُ تحديدَ آليةِ عملٍ موحدةٍ وشاملةٍ تطبقُ في جميعِ المناطقِ والمحافظاتِ دونَ استثناء؛ آليةٍ تعتمدُ على إجراءاتٍ دوريةٍ ومتابعةٍ حثيثةٍ وإشرافٍ دائمٍ لتضمنَ الاستدامةَ وتعززَ قيمَ النزاهةِ والمسؤولية.
وهذا ما يجسدُ ركيزةَ «المواطنة المسؤولة» في محاورِ رؤيةِ 2030 عبرَ تفعيلِ الشراكةِ المجتمعية:
الجهاتُ الحكوميةُ والبلدية: لتوفيرِ الصيانةِ الدورية، وإعادةِ ترميمِ الأسوار، وتجديدِ الأبواب، وتنظيفِ الممرات، وتوفيرِ العمالةِ والإشرافِ الميدانيِّ المستمر.
القطاعُ غيرُ الربحيِّ والجمعياتُ الخيرية: لتفعيلِ برامجِ الرعايةِ والإسهامِ في التجهيزِ والدعمِ اللوجستي، ودعمِ رؤيةِ السعوديةِ 2030 لتحقيقِ هدفِ المملكةِ في الوصولِ إلى مليونِ متطوعٍ سنوياً.
المواطنونَ والأهالي: نشرِ الوعيِ بينَ الأجيالِ بأنَّ العنايةَ بالمقابرِ ونظافتَها هي جزءٌ من مسؤوليتِنا الأخلاقيةِ وهويتنا الدينيةِ والوطنية، والحرصِ على إبلاغِ الجهاتِ المعنيةِ في الدولةِ بالمقابرِ قديمةِ العهدِ في منطقتِهم، مع وجوبِ المشاركةِ المجتمعيةِ التطوعيةِ الفاعلةِ في صيانةِ وحرمةِ تلك الأماكن.
وفي الختام، ندعو إلى ترسيخِ إحسانٍ يُورَثُ للأجيال، تحت شعار: «منازلُ الراحلينَ.. كرامةٌ تُصَانُ ووفاءٌ يُورَث». فأحبتُنا الغائبونَ عن الحياةِ.. حاضِرونَ في الوجدان، ولهم حقوقٌ علينا بعدَ الرحيل؛ نطمحُ أن ننالَها نحنُ أيضاً من أحبتِنا بعدَ رحيلِنا ودفنِنا تحتَ ثَرَى هذا الوطنِ إلى أجلٍ غيرِ معلوم، فهم السابقونَ ونحن اللاحقون، واللهُ أرحمُ الراحمين!.
يقولُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» (رواه الترمذي وأبو داود)، ورحمةُ الراحلينَ تكونُ بصيانةِ قبورِهم وصونِ كرامتِهم. إنَّ العنايةَ بمقابرِنا ليستْ مجردَ واجبٍ خدمي، بل هي رسالةٌ تربويةٌ ونمطُ حياةٍ ينسجمُ مع تطلعاتِ وطنِنا نحو مجتمعٍ حيويٍّ متمسكٍ بقيمِه. فلنكنْ جميعاً - مسؤولينَ وأهالي - مثالاً يُحتذى به في الإحسان، والنظافة، والوفاء لساكني القبور، حمايةً لكرامتِهم، وصوناً لمظهرِ وطنِنا الغالي؛ مُتَمَثِّلِينَ فِي كُلِّ ذَلِك هَدْيَ نَبِيِّنَا الكَرِيمِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» (رواه مسلم).
** **
- الكاتبة أ. خديجة سليمان الهلالي