عبدالوهاب الفايز
لم اكن ارغب العودة لهذا الموضوع حتى لا يسهل التصنيف، ولكن الأيام حبلى بكل عجيبة!
قبل ثلاثة أيام مر في شريط الاخبار حدث (عادي جدا!): شركة (أنثروبيك) الأمريكية من المتوقع أن تتجاوز قيمتها السوقية تريليوني دولار. نعم، شركة واحدة سوف توازي اقتصاد أستراليا القارة، (ناتجها المحلي بحدود 2.12 تريليون دولار).
(أنثروبيك) الصاعد نجمها، قبل خمس سنوات كانت اسماً جديداً لا يذكر في سباق الذكاء الاصطناعي. اليوم وفي مشهد يكاد يختصر التحول في الاقتصاد العالمي، يدور الحديث في أوساط المستثمرين عن إمكانية طرحها في السوق خلال الأشهر المقبلة بتقييم قد يتجاوز تريليوني دولار. وتشير تقديرات - بحسب رويترز - إلى أن نماذج التقييم التي يناقشها المستثمرون تستند إلى توقعات بوصول إيرادات الشركة إلى ما بين 190 و200 مليار دولار بحلول عام 2028.
شركة ناشئة قيمتها تريليونا دولار، أمر بالتأكيد لن يزعجنا، وربما نراه مثالا مذهلا على قدرة النظام الرأسمالي على تعظيم الابتكارات، وصناعة القيمة المضافة، واستيعاب الثورات التقنية. إنه ليس مشكلة في حد ذاته.
العصاميون من حقهم أن يبتكروا ويستثمروا ويتحملوا المخاطر.. ومن ثم يجنوا ثمرة نجاحهم. ولكن ربما المفيد مناقشته -بموضوعية وتجرد- هو دلالات هذا الرقم الهائل. إنه يستثير أحد أهم الأسئلة السياسية والاجتماعية التي ستواجه النظام الرأسمالي خلال العقود المقبلة: أين تتركز ملكية الثروات العظام التي تصنعها ثورة الذكاء الاصطناعي الجديدة؟ ومن سوف يحصل على نصيبه من القيمة التي سوف توجدها؟ (هذا اذا لم تنهار الأسواق وتتبخر الثروات!).
المشكلة إذن ليست أن تنجح أنثروبيك، أو أن تبلغ قيمة اية شركة تريليونين أو ثلاثة تريليونات من الدولارات، وإنما المشكلة تبرز الان حول قدرة الاقتصاد المنتج لهذه الثروات على ضمان ألا تتراكم ثمارها بصورة متزايدة في يد (النخبة) من الراسماليين والمستثمرين ومالكي الأصول (أي: دُولة بين الأغنياء!)، بينما تزداد صعوبة السكن والتعليم والرعاية الصحية والحياة الكريمة أمام قطاعات واسعة من المجتمعات. الرأسمالية الحديثة أثبتت قدرتها وتفوقها في بناء الثروات، لكن التحدي المتنامي أمامها هو المحافظة على القبول الاجتماعي لتمركز الثروات، وعدم توحشها وإفراطها في الثراء المدمر للطبقة الوسطى. وتزداد أهمية المسألة مع الذكاء الاصطناعي لأن (نموذج العمل) وتوليد القيمة المضافة قد يتغير. في الثورة الصناعية الأولى نمت المصانع الكبرى كثيفة العمالة، وربطت -ولو بصورة غير مثالية- بين توسع الشركات وتوسع الوظائف والأجور ونمو الطبقة الوسطى. أما الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي فقد تسمح لشركة يعمل فيها عدد محدود نسبياً من البشر بأن تنتج عوائد بمئات المليارات أو التريليونات.
وقد يتراجع نمو فرص العمل رغم ارتفاع الإنتاجية في مجالات الصناعة والزراعة وغيرها. طبعا هذا يعني فقدان إحدى أهم الآليات التي وزعت بها الرأسمالية مكاسب النمو والثروات على المجتمع طوال القرن الماضي، أي: التوليد المستمر لفرص العمل.
عدم استقرار الطبقة الوسطى وتراجعها مازالت المسألة المركزية التي ينبغي أن تشغل وتؤرق صناع السياسات والاقتصاديين والنخب الفكرية والاجتماعية.
تقرير عدم المساواة العالمي لعام 2026 يقدر أن أغنى 10 في المئة من سكان العالم يمتلكون نحو ثلاثة أرباع الثروة العالمية، في حين لا يملك النصف الأفقر سوى نحو 2 في المئة منها. أما من ناحية الدخل، فإن النصف الأدنى من سكان العالم، أي نحو 2.8 مليار انسان، يحصل على نحو 8 في المئة فقط من الدخل العالمي، بينما يحصل (أعلى 1 %) على ما يقارب 20 %.
وهنا تظهر إحدى (الثقوب السوداء) في النظام الرأسمالي المعاصر. ليست المشكلة أن الاقتصاد لا ينتج ما يكفي؛ بل ربما أصبحت المشكلة أنه ينتج أكثر مما عرفه الإنسان في تاريخه، ولكن آليات توزيع الفرص والثروة لم تتطور بالسرعة نفسها.
الاقتصاديون يقفون عند المؤشرات الخداعة في النظام الرأسمالي. قد نجد مجتمع يُقدم على انه الأكثر ثراء في المؤشرات الكلية (مثل حصة الفرد من الناتج المحلي)، بينما تنتشر بؤر الفقر والعوز بين مواطنيه، وأمريكا نموذج حي. وهذا الخلل هو الذي يجلب السياسين من أقصى اليسار.
الولايات المتحدة هي المكان الأكثر أهمية لمراقبة هذه المفارقة؛ فهي مركز الثورة التكنولوجية وأكبر منتج تقريباً لشركات التريليونات، وفي الوقت ذاته تشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى استمرار القلق الواسع تجاه تكاليف السكن والرعاية الصحية والغذاء والطاقة. في يوليو الماضي وجد مركز (بيو) المتخصص باستطلاعات الرأي أن أغلبية كبيرة من الأمريكيين مازالت شديدة القلق إزاء تكلفة الرعاية الصحية والسكن والمواد الاستهلاكية. كما أظهرت بيانات مكتب الإحصاء أن متوسط دخل الأسرة الحقيقي في عام 2024 لم يسجل زيادة ملموسة، في حين ارتفعت حصة الأثرياء.
هذا الجانب مازال اليمين الأمريكي يستخف به. الناخبون -والبشر عموما- عادة يقارنون دخلهم دائماً بما كان عليه قبل ثلاثين عاماً؛ أي يقارنون قدرتهم الحالية على شراء منزل وتأسيس أسرة وتعليم أبنائه بما يشاهده من تراكم استثنائي للثروة حوله. وحين يسمع الناخب الأمريكي أن شركة عمرها خمس سنوات يمكن أن تبلغ قيمتها تريليوني دولار، وهوو العاجز عن امتلاك منزل أو تحمل تكلفة التأمين الصحي، يبدأ السؤال الاقتصادي بالتحول إلى موقف سياسي.
هنا تحديداً يجد اليسار الجديد فرصته للحضور والتأثير. في مذكراته (Adults in the Room) وفي العديد من مناظراته مع صانعي القرار الألمان، يشير الاقتصادي اليوناني (يانيس فاروفاكيس) إلى أن تعنت برلين وفرض سياسات التقشف القاسية على اليونان إبان الأزمة المالية كان لهما الأثر العكسي المتمثل في تأجيج النزعات الشعبوية؛ حيث تحول حزب سيريزا اليساري من حزب هامشي لا تتجاوز نسبته 4 % قبل الأزمة، ليحصد أكثر من 30 % من أصوات اليونانيين ويصل إلى السلطة مطلع عام 2015 ردًا على الإملاءات الأوروبية.
فالاشتراكية التي يمكن أن تعود إلى المجتمعات الغربية لن تأتي على الأغلب بصور القرن العشرين ولا بشعارات التأميم الشامل والصراع الطبقي القديم. الجيل الجديد لا يحتاج إلى قراءة ماركس حتى يقتنع بمطالب تتعلق بالسكن المدعوم، والرعاية الصحية، والتعليم الأقل تكلفة، وزيادة الضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة، وضبط الاحتكار. بالنسبة إليه هذه ليست بالضرورة (اشتراكية) بالمفهوم التاريخي، وإنما إجابات عملية عن مشكلات يعيشها كل يوم. وهذا ما يقوله عبدالرحمن السيد المرشح القوي في شيكاغو، (معقل مدرسة فريدمان)، وقاله قبله ممداني في نيويورك، وقبلهما قاله كبيرهم برني ساندرز.
وهذه الفكرة تناولتها في مقالي السابق حول عودة الاشتراكية إلى أمريكا (الجزيرة الأربعاء 1 يوليو 2026)؛ فالتحول لا يبدأ عادة من الكتب والنظريات، وإنما من اللحظة التي يشعر فيها عدد كافٍ من الناس بأن (العقد الاجتماعي) لم يعد يعمل كما ينبغي. وهنا ربما يرتكب اليمين الشعبوي خطأ تاريخياً إذا اعتقد أن الانتصار الانتخابي على اليسار يعني القضاء على الأسباب الاجتماعية التي أنشأته. بل قد يحدث العكس.
فاليمين المتشدد عندما يصل إلى الحكم مستنداً إلى الغضب من الهجرة والعولمة والنخب والمؤسسات، ثم لا يعالج في الوقت نفسه أزمة الطبقة الوسطى وتركز الثروة وكلفة السكن والصحة والتعليم، فإنه قد ينجح في كسب معركة الهجرة والهوية، لكنه يترك الجبهة التي يتغذى منها اليسار مفتوحة للبحث عن مناصري العدالة الاقتصادية. وهذا وضع ترامب الان، ينجح في جبهة الهجرة ويتراجع في مقومات الرخاء الاجتماعي.
وهنا تبدو المواقف السياسة متأرجحة كأنها البندول. يتقدم اليمين رداً على تجاوزات اليسار أو إخفاقاته، ثم إذا بالغ اليمين في سياساته وأهمل التوازن الاجتماعي، فإنه يوجد البيئة لعودة اليسار بصورة أشد. وليس في ذلك قانون تاريخي حتمي؛ فالمجتمعات أكثر تعقيداً من هذا التعاقب الثنائي. عدم المساواة لا تصنعه حكومة واحدة ولا تيار سياسي واحد. والتجارب السياسية الدولية تقدم شواهد متكررة على أن التطرف غالبا ينتج نقيضه.
الذي يقراء تاريخ أمريكا اللاتينية يرى عقوداً من التبدلات السياسية: نخبة اقتصادية شديدة التركّز، ثم احتجاج اجتماعي يفتح الطريق أمام اليسار القومي والاشتراكي، ثم توسع في تدخل الدولة وسياسات شعبوية تنتهي في بعض الحالات إلى التضخم وضعف الاستثمار والنمو، فتعود قوى اليمين وسياسات التحرير الاقتصادي، قبل أن يؤدي اتساع الفجوات الاجتماعية مجدداً إلى موجة يسارية أخرى. إن كل طرف يترك وراءه أحياناً الاختلال الذي يستثمره خصمه للعودة. (انظر السلسلة الوثائقية السياسية بعنوان «دكتاتوريات، مخدرات، وخلافات: أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة»، من إنتاج قناة دي دبليو وثائقية (DW Documentary) الألمانية. بُثت الحلقات الثلاث في يناير 2026).
لقد تغيرت معادلة الرأسمالية الكلاسيكية التي تقوم على أهمية نمو الشركات الدافع للاستثمار الذي يؤدي إلى زيادة الوظائف ثم إلى ارتفاع الأجور ومن ثم الغنيمة الكبرى: اتساع واستقرار الطبقة الوسطى.
قيام الشركات العملاقة العابرة للقطاعات والقارات ينهي هذه المعادلة، ويسهل الطريق للازمات والصرعات والحروب. يخبرنا القرآن: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} (سورة البقرة: 205)