لَهَا مَنْزِلٌ تَحْتَ الثَّرَى وَعَهْدُهَا
وَلَهَا مَنْزِلٌ بَيْنَ الجَوَانِحِ وَالقَلْبِ
تتوالى قوافل الراحلين إلى الدار الآخرة، فيرحل الأحبة وتبقى ذكراهم حاضرة في القلوب، ويترك فراقهم جرحًا عميقًا لا يداويه إلا الصبر والاحتساب، والإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى.
هُوَ المَوْتُ مَا مِنْهُ مَلَاذٌ وَمَهْرَبُ
مَتَى حُطَّ ذَا عَنْ نَعْشِهِ ذَاكَ يَرْكَبُ
لقد فجعت برحيل الغالية أم ناصر، سارة بنت أخي محمد بن عبدالرحمن الخريف، زوجة الأخ الحبيب حسن بن عبدالله العمراني، وذلك مساء يوم الاثنين 4/3/1448هـ، بعد معاناة مع المرض، رحمها الله رحمة واسعة، وأُدّيت الصلاة عليها بعد صلاة عصر يوم الثلاثاء 5/3/1448هـ في جامع الملك خالد بأم الحمام في الرياض، ثم حُمل جثمانها الطاهر إلى مقبرة عرقة، حيث وُورِيَتِ الثرى وسط مشاعر من الحزن والأسى على فراقها. وكانت ولادتها في حريملاء، لوالدين كريمين؛ فوالدها أخي الأكبر محمد، ووالدتها منيرة بنت عبدالله الموسى، رحمهما الله جميعًا. ونشأت في بيت كريم، وتربت على الصلاح وحسن الخلق، وتعلمت مبادئ القراءة والكتابة، وحفظت ما تيسر لها من القرآن الكريم.
وبعد وفاة والدتها، حملت مع شقيقتها نورة وأختها الكبرى هيا جانبًا من مسؤولية رعاية أخويها عبدالعزيز، رحمه الله، وناصر، شفاه الله، وظلت إلى جانبهما حتى كبرا واعتمدا على نفسيهما. فكانت لهما أختًا حانية وأمًّا عطوفة، تؤدي دورها بمحبة وإخلاص، في صورة تجسد ما كانت عليه من رحمة ووفاء وتحمل للمسؤولية. ثم تزوجت الأخ الغالي حسن بن عبدالله العمراني - ابن خالتي سارة بنت عبدالرحمن العمراني - وانجبا بنين وبنات حرصوا على تربيتهم التربية الصالحة، فكانت نعم الزوجة المعينة لزوجها والأم المربية لأبنائها وبناتها، وغرست في نفوسهم القيم الفاضلة وحب الخير والاستقامة.
وقد عُرفت رحمها الله بالصلاح والاستقامة، وكرم الخلق، وكان أثر ذلك ظاهرًا في بيتها وأسرتها ومن حولها. ولله در الشاعر حافظ إبراهيم حين قال:
الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا
أَعْدَدْتَ شَعْباً طَيِّبَ الْأَعْرَاقِ
وكانت بارة بوالديها، واصلة لرحمها، محبة للخير، عطوفة على الفقراء والمساكين والأيتام، تمد يد العون بما تستطيع، وتترك في نفوس من عرفها أثرًا طيبًا وذكرًا حسنًا. وكان الله في عون زوجها -أبو ناصر- الذي سيفتقدها ولسان حال من يخفف عنه ألم الرحيل ويسليه بقول الشاعر:
تَعَزَّ، فَلَا إِلفَيْنِ بِالعَيْشِ مُتِّعَا
وَلَكِنْ لِوُرَّادِ المَنُونِ تَتَابُعَا
ولك أيها القارئ الكريم أن تتخيل حال زوجها وأبنائها وبناتها وأحفادها حين رجوعهم إلى البيت وتذكرها وتذكر أماكن جلوسها وحديثها، ولسان حالهم يردد هذا البيت:
يَعِزُّ عَلَيَّ حِينَ أُدِيرُ عَيْنِي
أُفَتِّشُ فِي مَكَانِكَ لَا أَرَاكِ
ولقد عرفتها منذ صغرها تتحلى بالأدب وكريم الخصال، وكان والدي (جدها) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الخريف حين ذهابه لمسجد «قراشة» وفي طريق عودته يقوم بزيارتهم في منزلهم ويقومون بإكرامه والحفاوة به وتستفيد من علمه وذلك بسؤاله عن أمور الدين والاستماع إلى نصائحه وإرشاداته والأخذ بها. وكانت رحمها الله مداومة على زيارتي والاتصال بي بين الفترة والأخرى حتى وهي تعاني من آثار المرض للسلام والاطمئنان وتمنحني في كل زيارة من الهدايا القيمة من العطور وغيرها، في صورة تعكس ما كانت تتمتع به من كرم ومودة، وهي خصال ستبقى حاضرة في ذاكرتي وذاكرة كل من عرفها.
تغمد الله -أم ناصر- بواسع رحمته وألهمنا وزوجها وأبنائها وبناتها وإخوتها واخواتها وأسرة الخريف والعمراني ومحبيها جميل الصبر والسلوان.
تَوَلَّتْ وَأَبْقَتْ بَيْنَنَا طِيبَ ذِكْرِهَا
كَبَاقِي ضِيَاءِ الشَّمْسِ حِينَ تَغِيبُ
** **
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف - حريملاء