أ.د.صالح معيض الغامدي
من السير الذاتية التي شدت انتباهي مؤخرًا، واستمتعت كثيرًا بقراءتها، سيرة القاص والإعلامي المتميز الأستاذ جمعان الكرت «أوراق للريح والمطر»، ليس لأنها تحكي كثيرًا من التجارب الحياتية التي عاشها الكاتب وعشتها أنا، وبخاصة في مرحلتي الطفولة والصبا، فنحن عشنا في قرية واحدة، هي قرية رغدان بالباحة، ولكن لأنها كُتبت بأسلوب جميل وذكي؛ فالكاتب يسرد فيها تجاربه الحياتية من خلال وصف البيئات والأماكن التي عاش فيها، وكذلك العادات والتقاليد المرعية في تلك البيئات. فهي سيرة ذاتية علائقية بامتياز، أعني أنها سيرة ذاتية لحياة كاتبها مُضفَّرة بحياة المجتمع ككل. وتبدو هذه العلائقية قوية في بداية السيرة إلى المرحلة التي انتقل فيها للدراسة الجامعية في مدينة جدة، حيث تبدأ السيرة في التركيز على سرد التجارب الذاتية، وتتخفف من سرد حياة المجتمع.
وعلى الرغم من صغر حجم هذه السيرة (116 صفحة)، فقد جاءت سيرة ثرية يصعب على الدارس تصنيفها؛ فهي، لبعض الدارسين، قد تبدو سيرة ذاتية ثقافية؛ لأنها تحتفي كثيرًا بالثقافة والأدب، أو سيرة ذاتية اجتماعية؛ لأنها تتجاوز الذات الفردية لتوثق نسيج المجتمع وعاداته. وربما يمكن النظر إليها، وبخاصة في الجزء الأول منها، بوصفها سيرة ذاتية إثنوغرافية، حيث يعمد الكاتب إلى رصد التفاصيل الإثنوغرافية، كالمسكن والطعام والطقوس والأسواق… إلخ، وكأنه باحث في علم الإنسان، لكن كل ذلك يتم من منظور ذاتي حميمي. كما يمكن أن نلمح فيها بعض أبعاد السيرة الذاتية الإيكولوجية، عندما يكون التركيز على علاقة الكاتب بالبيئة المادية، مثل الزراعة والغابات والأودية والحيوان والصيد… إلى آخره.
أما بخصوص كونها «علائقية بامتياز»، فلأنها تحكي قصة «الأنا» التي لا تنفصل عن «النحن»، أي أن حياة الكاتب تُضفَّر بحياة المجتمع، فتتحول السيرة الفردية إلى وثيقة اجتماعية وتاريخية موازية.
واللافت في هذا العمل أن الكاتب يكتفي بعتبة العنوان «أوراق للريح والمطر»، الذي قد لا يبوح بسيرذاتية هذا العمل، ولا يضع عبارة تجنيسية على غلافه تؤكد انتماءه إلى جنس السيرة الذاتية، بل يبدأه بهذه الطريقة: «لم يطل تفكير والديّ في اختيار اسم المولود الجديد “جمعان”، حيث ولدت يوم الجمعة، وكان كافيًا لأن يسموني بهذا الاسم…»، لكن العقد السيرذاتي حاضر بقوة في كل صفحة تقريبًا، بطرق مباشرة مختلفة.
والحقيقة أن هذه السيرة الذاتية فيها من الثراء ما يتطلب القيام بدراسة مطولة لها، لعلي أقوم بها قريبًا، وإنما كان هدفي الرئيس من هذا التعريف الموجز بها هو حرصي على أن يشاركني القراء والقارئات متعة قراءة هذه السيرة الذاتية، والاستمتاع بما ورد فيها والإفادة منه في أسرع وقت ممكن، وبخاصة للمهتمين باللهجة في منطقة الباحة، والعادات والتقاليد والطقوس، وطبيعة الحياة القديمة الزراعية والرعوية هناك… إلخ.
أما فيما يتعلق بثراء التجارب الحياتية لكاتبها، فهي حقيقة ملهمة، وفيها من الإنجاز الشيء الكثير، ومن المعاناة والكفاح قدر ليس بالقليل، على المستوى المعيشي والعملي والأدبي والصحفي.