«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لا يعود جايسون ستاثام إلى السينما بشخصية جديدة تمامًا، بقدر ما يعود إلى المساحة التي صنع فيها اسمه واحدًا من أبرز وجوه أفلام الحركة في السينما المعاصرة. ففي «Mutiny - التمرد»، الذي تعرضه دور السينما السعودية، يجد «كول ريد»، الجندي السابق والحارس الشخصي، نفسه في قلب جريمة تقلب موقعه من رجل يحمي الآخرين إلى رجل يطارد الحقيقة ويحاول النجاة من اتهام لم يرتكبه.
تبدأ الحكاية بمقتل رئيس ريد، الملياردير الذي كان يتولى حمايته، فيما تُدبَّر الوقائع بحيث يصبح الحارس نفسه متهمًا بالجريمة. وفي محاولة لفك خيوط المؤامرة، يصعد ريد إلى سفينة شحن، حيث تتحول الرحلة إلى مواجهة مفتوحة مع خصوم لا يعرف حدود نفوذهم، قبل أن يقوده البحث عن القاتل إلى ما هو أبعد من جريمة منفردة: مؤامرة دولية تتشابك فيها المصالح والتهديدات.
بهذا المعنى، يستند «Mutiny» إلى أحد أكثر القوالب رسوخًا في سينما الحركة: الرجل المطارد الذي يتحول إلى مطارد. غير أن نقل الصراع إلى البحر يمنح الفيلم فضاءً دراميًا مغلقًا؛ فالسفينة هنا ليست مجرد خلفية للمطاردات، وإنما مساحة تضيق تدريجيًا حول البطل، وتصبح النجاة فيها مرهونة بالقدرة على قراءة الخطر قبل وقوعه.
يقف خلف الفيلم المخرج الفرنسي جان-فرانسوا ريشه، صاحب تجارب في سينما الحركة والجريمة، فيما كتب السيناريو ليندسي ميشيل وجي. بي. ديفيس. ويشارك ستاثام البطولة كل من أنابيل واليس، ورولاند مولر، وأدريان ليستر، ورامون تيكارام، وأرناس فيدارافيتشيوس، وجايسون وونغ. ويتولى ستاثام نفسه، إلى جانب مارك بوتان، إنتاج الفيلم، فيما تبلغ مدة عرضه نحو 95 دقيقة.
لكن قراءة «Mutiny» من زاوية الحكاية وحدها قد تفوّت الجانب الأكثر إثارة في تجربة الفيلم؛ فوجود ستاثام في المقدمة يضع العمل تلقائيًا أمام إرث طويل من الشخصيات التي صنع من خلالها صورته السينمائية. فمنذ «The Transporter – الناقل»، مرورًا بـ«The Expendables - المرتزقة» و«Fast الجزيرة Furious - السرعة والغضب»، وصولًا إلى أعماله الأحدث، استقر حضوره على بطل قليل الكلام، لا يحتاج إلى شرح طويل لمهاراته؛ فجسده وحركته وهدوؤه تحت الضغط هي لغته الأساسية.
وهنا تتحول شخصية ستاثام إلى ما يشبه «نوعًا سينمائيًا» بذاته. فالجمهور لا يدخل الفيلم بحثًا عن شخصية جديدة بالكامل، بقدر ما يدخل وهو يعرف السمات التي ينتظرها: رجل ذو ماضٍ قتالي، يقع في مأزق أكبر منه، ويتعرض للخيانة أو الاتهام، ثم يستعيد زمام المبادرة ويواجه خصومه بوسائله الخاصة.
هذه الاستمرارية يمكن قراءتها بطريقتين؛ الأولى ترى فيها تكرارًا لصورة أصبحت مألوفة إلى درجة أن اسم الممثل بات كافيًا لتحديد نبرة الفيلم قبل بدايته. والثانية ترى أن ستاثام نجح في بناء هوية واضحة داخل سينما الحركة، على نحو يشبه نجومًا سابقين جعلوا من حضورهم الجسدي والشخصي جزءًا من بنية الفيلم، لا مجرد عنصر من عناصره.
وتتصل هذه الصورة أيضًا بخلفيته الرياضية؛ فقد سبق لستاثام أن مارس الغطس التنافسي على المستوى الدولي قبل انتقاله إلى السينما، وهي خلفية أسهمت في ترسيخ حضوره الجسدي في الأفلام التي تعتمد على الحركة والمطاردات والمواجهات المباشرة.
وفي «Mutiny»، يتخذ مفهوم «التمرد» أكثر من دلالة؛ فهو عنوان يحيل إلى العصيان والخروج على السلطة، لكنه داخل الحكاية يرتبط أيضًا برفض البطل قبول الرواية التي فُرضت عليه. يصبح ريد، بعد أن يُدفع إلى موقع المتهم، أمام خيارين: أن يختفي داخل المؤامرة، أو أن يتمرد على قواعدها ويبحث عن الحقيقة بنفسه.
وتتسع هذه الفكرة خارج الفيلم من خلال «Mutiny Mode - وضع التمرد»، وهي حملة تفاعلية مرتبطة بإطلاق الفيلم، تستثمر مفهوم التحدي والمغامرة، وتدعو الجمهور إلى مشاركة تجاربهم في الرياضة والمغامرات والسباقات والأنشطة الترفيهية عبر وسم #MutinyMode - وضع التمرد. وبذلك ينتقل مفهوم العنوان من البنية الدرامية إلى المجال التفاعلي المحيط بالفيلم.
ومع ذلك، فإن القيمة الفنية الحقيقية لـ«Mutiny» لن تكون في عدد المواجهات أو سرعة المطاردات وحدها؛ فسينما الحركة، مثل غيرها من الأنواع، تواجه دائمًا سؤال التجدد، ومع كل عودة لستاثام إلى الشاشة، يعود السؤال نفسه بصورة مختلفة: هل يمكن للصيغة التي صنعت نجوميته أن تظل قادرة على صناعة الدهشة؟
قد لا يكون الرهان هنا على أن يتحول ستاثام إلى ممثل مختلف تمامًا، وإنما على أن يمنح الصيغة التي يعرفها الجمهور طبقة جديدة، وهذا هو الاختبار الذي يضعه «Mutiny» أمام نجمه قبل أن يضعه أمام خصمه داخل الفيلم: هل يكفي أن يعيد البطل أداء ما أتقنه، أم أن على السينما أن تطلب منه، هذه المرة، أكثر من مجرد الانتصار؟
في النهاية، قد يكون «Mutiny - التمرد» فيلم حركة جديدًا، لكن أهميته النقدية تكمن في مكان آخر: في اختبار العلاقة بين النجم وشخصيته، والجمهور وتوقعاته، والنوع السينمائي وحدود قدرته على التجدد. وهي علاقة جعلت من جايسون ستاثام، مع مرور الوقت، أكثر من مجرد ممثل في أفلام الحركة؛ جعلت حضوره نفسه جزءًا من اللغة التي يتحدث بها هذا النوع من السينما.