«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ليست «فلونة» و«لوسي» مجرد شخصيتين عالقتين في ذاكرة أجيال عربية نشأت على الرسوم المتحركة اليابانية المدبلجة؛ فخلف حضورهما الطفولي تكمن حكايات عن الرحلة والهجرة والمغامرة والاكتشاف، جعلت من المكان الجديد مختبرًا لتكوين الشخصية واختبار علاقتها بالأسرة والطبيعة والآخر. ومن هذه الذاكرة تنطلق جمعية السينما في فعالية «الهجرة إلى أستراليا.. بين فلونة ولوسي»، التي تستضيفها «سينماتك الخبر» يوم السبت 22 أغسطس 2026، من الرابعة إلى السابعة مساءً، لتعيد تقديم الشخصيتين من زاوية مختلفة: لا بوصفهما مادة للمشاهدة فحسب، وإنما مدخلًا إلى اكتشاف كيف تُصنع الحكاية، وكيف تتحول الصورة إلى صوت، والفكرة إلى مشهد، والمشاهدة إلى ممارسة إبداعية.
وتستهدف الفعالية الأطفال من 6 إلى 15 عامًا، وتقدم تجربة ثقافية سينمائية تتجاوز استعادة شخصيات محبوبة من ذاكرة الأنمي؛ إذ تجمع بين الحكاية والسينما والأداء الصوتي والرسم والقصة المصورة والفنون اليدوية، في محاولة لنقل الطفل من مقعد المتلقي أمام الشاشة إلى مساحة المشاركة وصناعة التعبير.
وتستعيد «لوسي» عالم عائلة تهاجر إلى أستراليا، وما تحمله الرحلة من مواجهة بيئة جديدة ومحاولات للتكيف مع المكان والظروف المختلفة. أما «فلونة» فتأتي من عالم «عائلة روبنسون»، المستلهم من الرواية السويسرية الشهيرة للكاتب يوهان دافيد ويس، حيث تتحول المغامرة والبقاء في جزيرة مجهولة إلى اختبار لعلاقة الإنسان بالطبيعة والخوف والاكتشاف والأسرة.
وتتجاوز أهمية جمع الشخصيتين في فعالية واحدة حدود التشابه بين العملين؛ فكلاهما يجعل الرحلة أكثر من انتقال جغرافي، ويحولها إلى تجربة لتكوين الشخصية واكتشاف العالم. ومن هنا، تتيح الفعالية للأطفال الاقتراب من مفاهيم تبدو كبيرة في معناها، لكنها قريبة من عالمهم: المغامرة، والخيال، والتكيّف، والعمل الجماعي، ومواجهة المجهول، وكيف يمكن للحكاية أن تحمل أفكارًا إنسانية وثقافية تتجاوز زمن إنتاجها ومكانه.
من الشاشة إلى الصوت.. حين تتكلم الشخصيات
وتفتح تجربة الدوبلاج والأداء الصوتي، التي تقدمها المدربة والمعلقة الصوتية نور علي، نافذة مختلفة على عالم الأنمي؛ فالصوت في العمل المرئي ليس مجرد قراءة للنص، بل عنصر أساسي في بناء الشخصية، يمنحها عمرها ومشاعرها وإيقاعها وحضورها.
ومن خلال التجربة، يتعرَّف الأطفال إلى كيفية توظيف طبقات الصوت والنبرة والانفعال في تجسيد شخصية لا يكتمل حضورها بالصورة وحدها، ليدركوا أن الممثل الصوتي يستطيع أن يمنح الشخصية حياة إضافية، وأن جملة واحدة يمكن أن تتغير دلالتها بمجرد اختلاف النبرة والإحساس.
وفي مساحة أخرى، تقدم الممثلة والمؤدية الصوتية منى حسن تجربة تفاعلية في السرد السينمائي، تستعيد خلالها الشخصيات والحكاية بأسلوب حواري يقرّب الطفل من مفاهيم الراوي والمشهد والحوار، ويفتح أمامه إمكانية إعادة قراءة الحكاية وتمثيلها من أكثر من زاوية.
وهنا لا يعود الطفل مستمعًا إلى حكاية جاهزة، بل يصبح شريكًا في إعادة إنتاجها؛ يكتشف كيف يمكن للشخصية أن تتغير عندما تتغير طريقة روايتها، وكيف يمكن للصوت والأداء والحوار أن يعيدوا تشكيل المشهد نفسه.
القصة المصورة.. الخريطة الأولى للفيلم
وعلى المستوى البصري، تقدم الفنانة التشكيلية ميادة تقي نشاطًا في القصة المصورة (Storyboarding)، بوصفها الجسر الذي يصل الفكرة بالصورة والفيلم.
ويتعرّف الأطفال من خلال هذه التجربة إلى كيفية تحويل الأحداث إلى مشاهد ورسومات متتابعة، وكيف يمكن للرسم أن يسبق التصوير، وأن يصبح خريطة أولية لحركة الشخصيات والكاميرا وتسلسل الأحداث.
وهذه المساحة تكشف للطفل أن الفيلم لا يبدأ لحظة تشغيل الكاميرا، وإنما يبدأ في كثير من الأحيان بخطوط أولى على الورق؛ وأن المشهد الذي يبدو بسيطًا على الشاشة قد يكون وراءه تخطيط بصري دقيق يحدد مكان الشخصية وحركتها وزاوية الرؤية وانتقال الأحداث.
من الحكاية إلى اليد.. حين يصبح الخيال شيئًا ملموسًا
وتكتمل التجربة بمساحات للفنون والحرف اليدوية؛ من خلال نشاط فن الخرز الذي تقدمه سعاد يحيى، والفنون اليدوية التي تقدمها ثناء حسن، لتنتقل الحكاية مرة أخرى من الشاشة إلى اليد.
وفي هذه المساحة، لا يكتفي الطفل بالتعرف إلى الشخصيات والأجواء، وإنما ينتج عملًا ملموسًا يستلهم ما شاهده وتفاعل معه، لتصبح المشاهدة نقطة بداية لعملية إبداعية تتدرج من الخيال إلى الفكرة، ومن الفكرة إلى الشكل.
وتستند الفعالية، في جوهرها، إلى مفهوم ثقافي وتربوي مهم في تعليم الفنون: أن مشاهدة العمل الإبداعي لا ينبغي أن تكون نهاية التجربة، بل يمكن أن تكون بدايتها.
فالطفل الذي يشاهد الشخصية يستطيع أن يجرب صوتها، والذي يتابع القصة يمكنه أن يعيد رسمها، ومن يتأثر بمشهد يستطيع أن يحوله إلى لوحة أو قصة مصورة أو عمل يدوي. وبذلك تتحول السينما من شاشة تفصل بين العمل والمتلقي إلى مساحة تفاعلية تفتح أمام الطفل أسئلة جديدة حول كيفية صناعة الصورة والحكاية.
«فلونة» و«لوسي».. ذاكرة عربية لزمن مختلف
وتحمل «فلونة» و«لوسي» قيمة خاصة لدى أجيال عربية ارتبطت طفولتها بعالم الأنمي الياباني المدبلج بالعربية؛ في زمن كانت فيه هذه الأعمال إحدى النوافذ المبكرة التي عرّفت الأطفال بعوالم جغرافية وثقافية بعيدة، وقدمت لهم قصصًا عن الأسرة والمغامرة والطبيعة والمسؤولية والبحث عن مكان جديد في العالم.
وتنتمي «لوسي» إلى مسلسل الأنمي الياباني «South Rainbow Lucy»، الذي عُرض عام 1982 في خمسين حلقة، فيما تعود «فلونة» إلى مسلسل «Swiss Family Robinson: Flone of the Mysterious Island»، الذي عُرض عام 1981، والمستلهم من رواية «عائلة روبنسون السويسرية».
وقد أعادت المعالجة التلفزيونية صياغة المادة الأدبية بما يتلاءم مع جمهور الأطفال، ومنحت «فلونة» حضور البطولة بوصفها شخصية مركزية في الحكاية، لتصبح رحلتها إلى الجزيرة المجهولة حكاية عن الأسرة والبقاء والاكتشاف والتكيف مع الطبيعة. وهكذا، فإن استدعاء الشخصيتين اليوم لا يقوم على الحنين وحده؛ بل يستعيد أثرًا ثقافيًا تركته الرسوم المتحركة في وعي أجيال عربية، حين كانت الشاشة الصغيرة نافذة يتعرف من خلالها الطفل إلى أماكن بعيدة، وثقافات مختلفة، ونماذج إنسانية تتجاوز محيطه المباشر.
أستراليا.. من جغرافيا بعيدة إلى مساحة للخيال
بين ذاكرة الشاشة وورش صناعة الصورة، تبدو فعالية «الهجرة إلى أستراليا.. بين فلونة ولوسي» محاولة لاستعادة عالم قديم بطريقة جديدة؛ لا عبر الحنين وحده، وإنما بتحويل الشخصيات التي عاشت في ذاكرة المشاهدة إلى أدوات للتجريب والتعلم.
وفي هذا السياق، تصبح أستراليا في خيال الطفل أكثر من جغرافيا بعيدة؛ إنها نقطة انطلاق لحكاية عن الرحلة والاكتشاف والمواجهة والتكيف، فيما تتحول «فلونة» و«لوسي» من شخصيتين على الشاشة إلى بوابة صغيرة يتعلم الطفل من خلالها كيف تُصنع الحكاية، وكيف يمكن للصوت والرسم والأداء والفن أن يمنحوا الخيال حياة جديدة.
ومن هنا تكتسب التجربة قيمتها الثقافية؛ فهي لا تعيد طفل اليوم إلى شخصيات عرفها جيل الأمس فحسب، بل تعيد قراءة تلك الذاكرة عبر أدوات العصر، وتمنح الطفل فرصة لأن ينتقل من سؤال «ماذا شاهدت؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «كيف يمكنني أن أصنع حكايتي بنفسي؟».