«الجزيرة» - وائل العتيبي:
من القاهرة، التي شهدت البدايات العربية لفن الرسوم المتحركة قبل نحو تسعة عقود، إلى جدة، التي أصبحت اليوم حاضنة أكاديمية للمواهب السينمائية وصناعة الصورة المتحركة، وصولًا إلى هيروشيما اليابانية، حيث يلتقي أبرز صنَّاع هذا الفن من مختلف أنحاء العالم؛ تكتسب المشاركة العربية والسعودية في موسم هيروشيما للرسوم المتحركة 2026 دلالات تتجاوز مجرد الحضور في مهرجان دولي، لتقدم صورة عن مسار طويل من التراكم الإبداعي العربي، وعن جيل سعودي جديد يشق طريقه بثبات نحو المنصات العالمية.
وتأتي هذه المشاركة بحضور الدكتور محمد غزالة، رئيس مدرسة الفنون السينمائية بجامعة عفت في جدة، عضوًا في لجنة التحكيم الدولية للمسابقة، إلى جانب أسماء بارزة في صناعة الرسوم المتحركة، بينهم السويسري جورج شفيتسبيل، والبريطانية إليزابيث هبز، والبولندية كاتارزينا سورماتش، واليابانية إيكو تاناكا. ويكتسب حضور غزالة في هذه اللجنة أهمية خاصة؛ فهو لا يمثِّل حضورًا أكاديميًا سعوديًا فحسب، بل يضع الخبرة العربية في قلب الحوار الدولي حول مستقبل الرسوم المتحركة، ولغتها وأساليبها واتجاهاتها.
ويقام موسم هيروشيما للرسوم المتحركة خلال الفترة من 19 إلى 23 أغسطس 2026، ويُعد من أبرز المحافل اليابانية والدولية المتخصصة في فن الرسوم المتحركة، جامعًا بين المسابقات الدولية والبرامج التعليمية والعروض التي تستكشف تجارب التحريك من أنحاء العالم، مع اهتمام خاص بمنطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وفي نسخته الثالثة، تلقى المهرجان 3181 فيلمًا من 110 دول ومناطق، اختير منها 76 عملًا للمنافسات الرسمية، بينها 71 فيلمًا قصيرًا وخمسة أفلام طويلة، فيما تكتسب مسابقة الأفلام القصيرة أهمية إضافية؛ إذ إن الفيلم الفائز بالجائزة الكبرى يصبح مؤهلًا للتقدم إلى المنافسة على جوائز الأكاديمية الأميركية «الأوسكار».
محمد غزالة.. من مقعد التحكيم إلى استعادة الذاكرة
لا تقف أهمية مشاركة غزالة عند عضويته في لجنة التحكيم الدولية، بل تمتد إلى تقديم برنامج خاص بعنوان «الرسوم المتحركة من العالم العربي»، يستعيد من خلاله تاريخ هذا الفن العربي، ويضع تطوره أمام جمهور دولي متخصص.
ويقدم غزالة البرنامج في 20 أغسطس ضمن فعاليات المهرجان، متناولًا الخصائص الجمالية والتجارب المميزة للرسوم المتحركة العربية، من خلال مجموعة من الأفلام التي تمثِّل أجيالًا وتجارب متنوعة من المنطقة.
ويأتي هذا البرنامج في سياق اهتمام أوسع لدى غزالة بتوثيق رحلة الرسوم المتحركة العربية عبر تسعة عقود، منذ بداياتها في مصر عام 1936، وصولًا إلى المشهد العربي المعاصر، بما شهده من تحولات تقنية وجمالية وثقافية.
ولا تبدو هذه العودة إلى التاريخ مجرد استعادة أرشيفية، بل محاولة لإعادة تعريف موقع التجربة العربية داخل التاريخ العالمي لفن التحريك، والكشف عن أثر السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية في تشكيل لغته وموضوعاته.
وتكتسب هذه المهمة بعدًا إضافيًا في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الرسوم المتحركة عالميًا؛ من تطور أدوات الإنتاج الرقمية إلى صعود الذكاء الاصطناعي، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول الأصالة والهوية، وقدرة صنَّاع التحريك على إنتاج سرديات محلية تمتلك خصوصيتها، وفي الوقت نفسه قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي.
وقد تناول غزالة هذه القضايا في محاضرات متخصصة حول «90 عامًا من الرسوم المتحركة العربية»، مركزًا على التحديات والفرص التي تواجه صناعة التحريك في المنطقة.
وبذلك يتحرك دوره في هيروشيما على مستويين متكاملين: قراءة الأعمال الجديدة بوصفه محكمًا دوليًا، وقراءة ذاكرة الفن العربي بوصفه باحثًا ومؤرِّخًا وممارسًا في مجال التحريك.
«دليل استخدام القوالب البشرية».. صوت سعودي من جدة
وفي قلب هذا الحضور العربي، تأتي المشاركة السعودية بصورة لافتة من خلال فيلم «دليل استخدام القوالب البشرية - Social Molds Manual» للمخرجة السعودية رغد البارقي، الذي اختير ضمن برنامج الرسوم المتحركة من العالم العربي في هيروشيما.
وتتضاعف دلالة اختيار الفيلم؛ فهو ليس عملًا سعوديًا عابرًا في برنامج دولي، بل مشروع تخرج من برنامج الإنتاج المرئي والرقمي في جامعة عفت بجدة، بما يجعله ثمرة مباشرة لمسار التعليم السينمائي والإبداعي الذي تمثّله الجامعة، ويتقاطع في الوقت ذاته مع حضور رئيس مدرسة الفنون السينمائية فيها داخل المهرجان.
الفيلم، الذي أنجزته البارقي عام 2019، يتناول فكرة القوالب الاجتماعية التي تضغط على الأفراد وتحد من نموهم الشخصي، مستخدمًا لغة رسوم متحركة مكثفة، تفتح من خلال تجربتها الخاصة سؤالًا إنسانيًا أوسع حول الفرد والمجتمع والصورة النمطية.
وتكشف مسيرة رغد البارقي عن جانب مهم من تطور التجربة السعودية في هذا المجال؛ فهي مخرجة أفلام ورسوم متحركة ورسامة، درست الإنتاج المرئي والرقمي في جامعة عفت، ثم واصلت دراستها وحصلت على درجة الماجستير في الرسوم المتحركة من الكلية الملكية للفنون في لندن، فيما تواصل تطوير تجربتها الفنية من خلال مشاريع تستكشف الذاكرة والمكان والهوية، وتبحث عن سرديات محلية تتجاوز الصور النمطية.
وشاركت أفلامها، ومنها «دليل استخدام القوالب البشرية» و«تلفون خربان»، في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية، فيما تواصل حاليًا تطوير فيلمها «كان مكان»، الحائز على دعم صندوق البحر الأحمر ودعم برنامج إثراء المحتوى العربي، في مسار يؤكد حضور الموهبة السعودية الشابة في المشهد العالمي للرسوم المتحركة.
وهنا تبرز قيمة المشاركة السعودية في هيروشيما بصورة أكثر وضوحًا؛ فالمملكة لا تحضر بوصفها سوقًا جديدة للترفيه أو مجرد متلقٍ لفن الأنمي، وإنما بوصفها بيئة بدأت تنتج مبدعيها وأعمالها الخاصة، وتدفع بهم إلى فضاءات العرض والنقد والتحكيم الدولية.
من «دليل القوالب» إلى «الرحلة».. مساران لصناعة سعودية تتشكل
ويكتمل المشهد السعودي باستحضار تجربة «الرحلة - The Journey»، الفيلم السعودي الياباني الذي أنتجته شركة مانجا للإنتاج بالتعاون مع شركة «توئي أنيميشن» اليابانية.
ويمثِّل «الرحلة» نموذجًا مختلفًا عن فيلم البارقي؛ فبينما يعكس «دليل استخدام القوالب البشرية» تجربة إبداعية فردية خرجت من البيئة الأكاديمية السعودية إلى فضاء المهرجانات العالمية، يمثِّل «الرحلة» نموذجًا لصناعة إنتاجية عابرة للحدود، جمعت خبرات سعودية ويابانية في مشروع واحد، وقدمت سردية تستلهم حضارات شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط عبر لغة الأنمي.
وتؤكد «مانجا للإنتاج» أن التعاون مع «توئي أنيميشن» بدأ عام 2017، وأن العمل شهد مشاركة وتدريب مواهب سعودية خلال مراحل إنتاجه، ليصبح أحد النماذج البارزة للتعاون السعودي الياباني في صناعة الرسوم المتحركة.
وقد عُرض «الرحلة» في المملكة واليابان وعدد من الدول العربية والأسواق الدولية، كما حصل على اتفاقيات توزيع في أكثر من 15 دولة آسيوية، إلى جانب توزيعه في أسواق أوروبية.
وبهذا، تبدو التجربة السعودية في سياق هيروشيما وكأنها تتحرك في مسارين متوازيين: مسار الموهبة الفردية التي تبدأ من الجامعة وتصل إلى المهرجانات العالمية، ومسار الصناعة التي تدخل في شراكات دولية قادرة على إنتاج أعمال سعودية بآليات ومعايير عالمية.
جامعة عفت.. من قاعة الدراسة إلى منصة دولية
ولعل أكثر ما يمنح المشاركة السعودية خصوصيتها أن اسم جامعة عفت لا يظهر هنا من خلال شخص أو عمل منفرد، وإنما من خلال سلسلة مترابطة: الدكتور محمد غزالة في موقع التحكيم والبحث الأكاديمي، ورغد البارقي في موقع المخرجة السعودية التي يصل مشروع تخرجها إلى واحد من أبرز محافل الرسوم المتحركة في العالم.
وتكشف هذه العلاقة عن جانب مهم من التحول الذي تشهده صناعة السينما والرسوم المتحركة في المملكة؛ فالتعليم المتخصص لم يعد منفصلًا عن حركة الصناعة والمهرجانات، بل أصبح جزءًا من منظومة إنتاج المواهب وتطويرها، ثم ربطها بالمنصات والشبكات العالمية.
ويأتي ذلك متسقًا مع المسيرة الأكاديمية والمهنية لغزالة نفسه؛ فهو لا يشغل رئاسة مدرسة الفنون السينمائية في جامعة عفت فحسب، بل يشغل أيضًا منصب نائب رئيس الجمعية الدولية لأفلام الرسوم المتحركة «ASIFA»، وكان قد أسس أول فرع لها في إفريقيا والعالم العربي، كما شارك عضوًا في لجان تحكيم مهرجانات دولية عدة، من بينها آنسي وزغرب وشتوتغارت ومانشستر وغيرها.
ومن هذه الزاوية، يصبح وجود غزالة في هيروشيما امتدادًا طبيعيًا لدور أكاديمي يتجاوز حدود التعليم إلى بناء الجسور بين المواهب العربية والمؤسسات العالمية، والمساهمة في صياغة خطاب نقدي وتاريخي حول فن الرسوم المتحركة في المنطقة.
هيروشيما.. مساحة
لاختبار المستقبل
ويحمل اختيار هيروشيما للمشاركة العربية والسعودية دلالة تتجاوز القيمة السينمائية للمهرجان؛ فالحدث يقدم الرسوم المتحركة بوصفها فنًا وثقافة وأداة للتعليم والتواصل، ويجمع بين المنافسة والبحث والتجارب الجديدة، ويفتح مساحات للتفاعل بين صنَّاع هذا الفن من مختلف أنحاء العالم.
ومن هنا، فإن مشاركة غزالة لا تقتصر على تقييم الأفلام المتنافسة، بل تمنح التجربة العربية فرصة لأن تكون جزءًا من الحوار الدولي حول مستقبل الرسوم المتحركة، بينما يمنح حضور «دليل استخدام القوالب البشرية» و«الرحلة» الجمهور الدولي صورتين مختلفتين عن تطور التجربة السعودية: موهبة شابة تتشكل في مؤسسة تعليمية سعودية، وصناعة وطنية تنفتح على شراكات دولية واسعة.
وفي المشهد الأوسع، تبدو هيروشيما محطة كاشفة لتحول الرسوم المتحركة العربية من تجربة تحتاج إلى التعريف بها، إلى صناعة تمتلك تاريخًا وذاكرة ومبدعين وتجارب قادرة على الدخول في حوار متكافئ مع العالم.
أما السعودية، فتظهر في هذا المشهد لا بوصفها ضيفًا على الصناعة، بل باعتبارها تجربة تتشكل ملامحها بسرعة؛ من الجامعة إلى الإستوديو، ومن مشروع التخرّج إلى المهرجان الدولي، ومن استلهام الحكاية المحلية إلى بناء شراكات إنتاجية مع واحدة من أهم مدارس الأنمي في العالم.
وهكذا، تحمل المشاركة السعودية في هيروشيما أكثر من أسماء في قائمة المشاركين؛ إنها تقدم حكاية جيل جديد من صنَّاع الصورة المتحركة، تتقاطع فيه المعرفة الأكاديمية مع الموهبة والإنتاج، وتتحول فيه الرسوم المتحركة من مادة ترفيهية إلى لغة ثقافية قادرة على حمل الذاكرة السعودية والعربية إلى جمهور عالمي.