نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
كنت أعتقد أن بعض الأحداث تأتي مصادفة دون سبب واضح أو يُذكر، وكنت أقول: رُبّما ساقها القدر مصادفة، حتى رأيت بعيني، وأيقنت مع الأيام، ألا شيء يحدث مصادفة، ولا شيء يحدث إلا لسبب.. وأن الله قد أمر وسخّر ذلك كله.. إما إيجاباً راقت له نفسك، أو سلباً قد فطر قلبك..
لكننا في لحظة الحدث لا نرى الصورة كاملة، نرى فقط الجزء القريب منا، ونحكم عليه بحجم فرحنا أو حزننا، بما تحقق لنا أو بما فقدناه، ثم تمر الأيام، وتتبدل الأحوال، وينكشف لنا شيء من الحكمة التي كانت غائبة عنا، فنفهم لماذا حدث ما حدث، ولماذا جاء هذا الشخص، ولماذا غادر ذاك، ولماذا تأخر أمر تمنيناه، ولماذا أُغلِق باب طرقناه طويلاً.
كم من أمرٍ حسبناه خسارة، فإذا به نجاة.. وكم من طريقٍ حزنّا لأننا لم نكمله، ثم حمدنا الله بعد سنوات لأننا لم نصل إلى نهايته.. وكم من شخص دخل حياتنا في وقت لم نتوقعه، فترك فيها أثراً، أو علّمنا درساً، أو أعاد ترتيب أشياء كثيرة بداخلنا، ثم مضى وكأن مهمته انتهت عند هذا الحد.
حتى الألم أحياناً لم يكن عبثاً..
بعض الألم جاء ليوقظنا، وبعضه ليغيّرنا، وبعضه ليُعيدنا إلى أنفسنا، وبعضه ليقربنا من الله أكثر مما فعلت بنا أيام الرخاء.
والعجيب أننا لا ندرك ذلك إلا بعد أن تهدأ العاصفة، وننظر إلى المشهد من بعيد، فنحادث أنفسنا ونشعلها بالتمتمات فنستوعب لاحقاً!
يقول الله تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
هذه الآية وحدها تختصر كثيراً من الحكايات التي لم نفهمها في وقتها. فنحن نرى اللحظة، والله يرى العمر كله، نعرف ما نريد، والله يعلم ما نحتاج، نتمسك بأشياء ظناً منا أن سعادتنا فيها، وقد يكون الخير كله في أن تفلت من أيدينا. ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع مرور العمر، ألا يعترض قلبه كثيراً على ما لا يفهمه، وأن يترك مساحة للقدر، وأن يوقن بأن تدبير الله أرحم من اختياراتنا لأنفسنا.
ليس معنى ذلك ألا نحزن، فنحن بشر، نحزن ونفرح، نتألم ونشتاق، ونضيق أحياناً بما يحدث لنا.. لكن الفرق أن يبقى في القلب يقينٌ ثابت بأن وراء كل شيء حكمة، وإن تأخر علينا فهمها.
وقد تكون الحكمة في الحدث نفسه، وقد تكون فيما منعك عنه، أو فيما أتى بعده، أو ربما لا تعرفها أبداً في هذه الحياة، لكن يكفيك أن تعرف من الذي دبّرها.
وحين تعرف أن الله هو المدبّر، تهدأ كثير من الأسئلة، وتصغر أمامك كثير من الأشياء التي كنت تظنها نهاية العالم.
فلا لقاء جاء عبثاً، ولا فراق وقع بلا حكمة، ولا باب أُغلق دون سبب، ولا تأخير حدث سدى، ولا حتى تلك اللحظات التي أوجعتك كانت خارج قدر الله وعلمه.
كل شيء كان في وقته..
حتى وإن بدا لك أنه جاء متأخراً، أو رحل مبكراً. ومع مرور السنوات، بدأت أؤمن أن من أجمل صور الطمأنينة أن تستقبل ما يحدث لك بقلب يقول:
قد لا أفهم الآن.. لكنني أثق بالله.
وقد لا يعجبني ما حدث.. لكنني أعلم أن اختيار الله خير من اختياري.
وقد يحزنني الطريق.. لكنني أعلم أن نهايته عند من لا يكتب لعبده إلا ما قدّره له بحكمة ورحمة.
ولهذا، كلما تذكرت أمراً تمنيت لو أنه لم يحدث، ثم رأيت كيف قادني إلى مكان أفضل، أو صرف عني ما لم أكن أراه، أدركت من جديد أن بعض الأقدار لا تُفهم في بدايتها، وإنما تُقرأ معانيها في نهايتها.
فالحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما منع، والحمد لله على ما قرّب وما أبعد، وعلى أبواب فتحها لنا، وأخرى أغلقها رحمة بنا ونحن لا نعلم.
والحمد لله دائماً وأبداً..
على أقدارٍ أحببناها، وأقدارٍ أوجعتنا، ثم علّمتنا أن وراء كل شيء حكمة، وأن لا شيء في هذه الحياة يحدث مصادفة.