عبدالوهاب الفايز
ربما هو من الأمور المألوفة الذي نتميز بها: الأطفال والمراهقون يتواجدون في المطاعم ويحضرون المباريات عند منتصف الليل. هذا الذي يلفت الانتباه - للحليم الحيران!
ونتذكر التساهل مع السهر حين عودة الطلاب إلى مدارسهم، وعودة البيوت السعودية إلى تفاصيل العام الدراسي المعتادة: معاناة الاستيقاظ المبكر، والازدحام، والواجبات، ومواعيد الاختبارات، ومحاولات الأسر إعادة الأبناء إلى نظام الحياة المدرسية بعد الإجازة.
إنها فترة التعامل مع الآثار الانسحابية للإدمان على السهر!
وسهر الأطفال والمراهقين مع الأسف لم يحض باهتمامنا، بالذات لمعرفة خطورته على مخرجات التعليم. وصناع السياسات الحكومية نخشى أن ليس لديهم المعرفة والقناعة بأهمية النظر إلى النوم باعتباره (جزءًا من الاستثمار في التعليم؟).
النوم أصبح أمرًا مقلقاً صحيًا أو أسريًا وتعليميًا واستثمارياً، فالدراسات العلمية خلال العقود الأخيرة ربطت بين جودة النوم وكفاءة التحصيل. فالطالب لا يدخل الفصل بعقل منفصل عن حالته الجسدية؛ فقدرته على الانتباه ومعالجة المعلومات، وضبط الانفعال تتأثر بجودة النوم. والابحاث العلمية الحديثة تضع النوم جزءا اصيلا من المنظومة الصحية التي تهيئ الدماغ للتعلم والاستيعاب.
وهو أيضاً أمر يتعدى أثره السلبي التعليم إلى العائد على الاستثمار. فنحن نستثمر بتوسع في المباني المدرسية، ونستثمر في المعلم، والمناهج، والتقنية، والنقل، والمنصات الرقمية، ونقيس الحضور والاختبارات ومخرجات التعلم، لكن جانبًا من (أثر هذه الاستثمارات) قد لا يتحقق إذا حضر الطالب إلى المدرسة في حالة ذهنية وجسدية متعبة! وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة: ما قيمة كل ما نوفره للطالب إذا وصل إلى مقعده الدراسي وهو لم ينم بشكل كاف؟
والنوم الكافي، حسب توصية الأكاديمية الأمريكية لطب النوم، يجب أن يتراوح بين 9 و12 ساعة نوم يوميًا بصورة منتظمة للأطفال بين السادسة والثانية عشرة، بينما يحتاج المراهقون بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة إلى ما بين 8 و10 ساعات. ولا تتعلق القضية بعدد الساعات وحدها؛ فالانتظام، وجودة النوم، وتوقيته، كلها عناصر مهمة في تحقيق النوم الصحي.
والحاجة للنوم الصحي هناك من يربطها بضرورة مراجعة بداية يومنا الدراسي، فهل الأفضل من منظور بيولوجي (احتياجات المراهقة)، ومن متطلبات جودة التعلم مراجعة هذا الأمر؟
لا نطرح السؤال للدعوة مباشرة إلى تأخير بداية المدارس؛ فمثل هذا القرار تحكمه متغيرات مثل النقل، وساعات عمل الوالدين، والازدحام، والمناخ، والفروق بين مناطق المملكة، وترتيبات دوام المعلمين، وعوامل اجتماعية واقتصادية كثيرة. لكن أهمية الموضوع تستحق على الأقل أن ندرسه بوصفه مسألة وجودية تعليمية وصحية.
اليوم لدينا فرصة مناسبة لإعادة التفكير في هذا الملف مع صدور نظام التعليم العام الجديد في المملكة. فمن أهداف النظام (تعزيز صحة) الطالب وتنمية وعيه بالعادات الصحية، كما يضع البيئة التعليمية الصحية والآمنة ضمن مسؤوليات منظومة التعليم. وهذا مستهدف يسمح بتوسيع مفهوم (البيئة المدرسية الصحية)، بحيث لا يقتصر على سلامة المبنى أو الغذاء أو النشاط البدني، وإنما يمتد إلى معرفة ما إذا كان تنظيم اليوم الدراسي نفسه يساعد الطالب على الوصول إلى المدرسة في حالة ذهنية وجسدية تمكّنه من التعلم.
والأمر المؤكد أن وزارة التعليم مدركة لأهمية النوم في حياة الطالب. فقد سبق أن نبهت، في سياق تنظيم الدراسة خلال شهر رمضان، إلى دور الأسرة في ضبط برنامج الطالب اليومي بما يضمن حصوله على قدر مناسب من النوم. أي أن الاعتراف بأهمية النوم موجود، لكن ضبط ساعات النوم لا يخص وزارة التعليم، إنه أمر سيادي وتحقيقه يحتاج قرارات ومعالجات اجتماعية واقتصادية رئيسة. الأمور الكبرى لا تعالج بالأمنيات والمواعظ، ما نحتاج إليه الانتقال من مستوى النصيحة الصحية العامة إلى بناء معرفة وطنية أوسع يمكن أن يستند إليها تطبيق وتنفيذ السياسات التعليمية الجديدة.
والحقيقة أن البدايات الخجولة لوضع الأساس العلمي لهذه الإشكالية موجودة، فالبيانات العلمية والإحصائية المتاحة لا تزال متفرقة وقديمة. فالدراسات المحلية ركزت في جانب كبير منها على طلبة الجامعات والكليات الصحية أكثر من تركيزها على طلاب التعليم العام. ففي دراسة شارك في إعدادها الدكتور أحمد باهمام وزملاؤه على طلاب كلية الطب بجامعة الملك سعود، بلغ (متوسط مجموع النوم الليلي والقيلولة نحو 6 ساعات فقط)، فيما عانى قرابة خُمس الطلاب من نعاس مفرط خلال النهار. وهي أرقام تكشف فجوة واضحة عند مقارنتها بما توصي به الهيئات الطبية للفئات العمرية الشابة.
ولا تقف شواهد هذه الأزمة عند مرحلة الشباب، بل تمتد جذورها لتلامس مراحل الطفولة المبكرة؛ إذ كشفت دراسة طبية حديثة نُشرت في (مجلة الطب السعودي)، وأُجريت على عينة من أسر الأطفال في العاصمة الرياض، عن تفشي لافت لاضطرابات النوم بين الصغار (من سن 2 إلى 14 عاماً)، حيث بلغت نسبة (مقاومة النوم) نحو 70%، وتأخر بدء النوم 58.1%، فضلاً عن صعوبة الاستيقاظ الصباحي، متأثرةً بشكل رئيس بالاستخدام المفرط للشاشات الرقمية وغياب التنظيم الأسري. وهي مؤشرات رقمية صريحة تُنذر بحاجة ماسة لإدراج صحة النوم ضمن اولويات الرعاية الصحية الأولية. وهذه مسؤولية وزارة الصحة.
أيضا خلصت مراجعة منهجية وتحليل حديث شمل إحدى عشرة دراسة ونحو 8300 طالب وطالبة في الجامعات السعودية إلى أن معدل انتشار الأرق بلغ نحو 43 في المائة. كما أظهرت دراسات أخرى نسبًا مرتفعة من النعاس النهاري واضطرابات النوم بين طلبة الجامعات، بما يعزز الانطباع بأن النوم لم يعد قضية فردية هامشية، وإنما عامل مؤثر في الأداء الأكاديمي والصحة العامة لدى فئة الشباب.
أما على مستوى المراهقين تحديدًا، فتوجد إشارات مهمة. فقد وجدت إحدى الدراسات السعودية أن متوسط نوم طلاب المدارس الثانوية في ليالي الدراسة لا يتجاوز سبع ساعات، مع تأخر كبير في مواعيد النوم والاستيقاظ خلال عطلة نهاية الأسبوع. وهذا النمط يكشف تباعدًا واضحًا بين إيقاع النوم في أيام الدراسة والعطلات، ويتسق مع ما تصفه الأدبيات العلمية من تأخر عادات النوم لدى المراهقين.
وحتى بين أطفال المرحلة الابتدائية، أظهرت دراسات سعودية وجود أنماط نوم تستحق الانتباه، من بينها الاعتماد على (القيلولة) وقصر مدة النوم في بعض أيام الدراسة، وهو ما يعزز الحاجة إلى دراسة أنماط نوم الأطفال بصورة أشمل، بدل الاكتفاء بافتراض أن المشكلة تبدأ فقط في مرحلة المراهقة.
هذه الدراسات مجتمعة لا تغني عن ضرورة قيام وزارة التعليم بعمل (مسح وطني شامل لنوم طلاب التعليم العام). فما يتوافر لدينا من بيانات موزعة بين جامعات ومناطق ومراحل عمرية مختلفة لم يتحول بعد إلى (قاعدة بيانات وطنية)، أو (خط أساس علمي) يمكّن صانع القرار في منظومة التعليم، أو في الجهات السيادية من معرفة العلاقة بين مدة النوم وتوقيته من جهة، والحضور والتحصيل والسلوك المدرسي وبداية اليوم الدراسي من جهة أخرى.
نعم، نحتاج لدراسة وطنية واسعة لأنماط نوم الطلاب، وتكون موزعة بحسب العمر والمنطقة ونوع المدرسة ووقت بدء الدراسة، ثم تربط النتائج بمؤشرات الحضور والتأخر الصباحي والتحصيل والنعاس داخل الفصل. عندها فقط نستطيع الانتقال من الانطباعات اليومية التي نراها ونلمسها إلى معرفة قابلة للقياس حتى تدعم صناعة القرار الوطني لمعالجة هذا الأمر، وحتى يضعنا أمام ما هو أكبر: أي معرفة الأخطار والمحاذير لسهر الشباب ومدى تعدي هذه الآثار إلى (أمننا الوطني) وحماية شبابنا. وأيضاً حتى نعرف مدى كفاءة الإنفاق الحكومي على التعليم.
ونعود للتأكيد على أن هذه القضية في النهاية ليست هي دعوة إلى أن ينام الأبناء أكثر لمجرد الراحة، وإنما أن ننظر إلى النوم باعتباره (جزءًا من الاستثمار في التعليم نفسه). فالتعليم لا يبدأ عند دخول الطالب بوابة المدرسة، بل يبدأ قبل ذلك بساعات؛ من الليلة التي سبقت يومه الدراسي، ومن قدرة جسده وعقله على الاستعداد ليوم جديد من التعلم.
إذا هذا الأمر مهم صحياً واستثمارياً، نتمنى أن نرى من وزارة التعليم الاهتمام الواضح بهذا الأمر (تربويًا). نحتاج تغيير نظرة الطفل والأسرة إلى النوم.
فكما نُعلم الطالب أهمية الغذاء الصحي والنشاط البدني، لماذا لا يتعلم منذ المرحلة الابتدائية أساسيات الصحة البدنية: لماذا يحتاج إلى النوم؟ ماذا تفعل الأجهزة والشاشات بنظام نومه؟ لماذا ينبغي أن تكون مواعيد نومه أكثر انتظامًا؟ وكيف يعرف أن جسده لا يحصل على الراحة الكافية؟