نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
مع بداية كل عام دراسي أبواب جديدة من العمر تُفتح، وتبدأ حكاية أخرى من حكايات الحياة؛ فيها علمٌ يُكتسب، وتجارب تُعاش، وصداقات تُولد، وذكريات قد تبقى معنا سنوات طويلة بعد أن نغادر مقاعد الدراسة.والعام الدراسي في ظاهره كتبٌ ومناهج ودروس واختبارات، لكنه في حقيقته أكبر من ذلك بكثير؛ فهو مرحلة تتشكل فيها شخصية الإنسان، وتُبنى فيها عاداته، ويعرف من خلالها معنى المسؤولية والانضباط والصبر والاجتهاد.
يقول الله تعالى: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا وما أجمل أن يبدأ الطالب عامه بهذه الآية، مستشعراً أن العلم نعمة، وأن طلب الزيادة منه دعاء علّمه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.وفي هذه الرحلة، لا يسير الطالب وحده، فهناك المعلم الذي يحمل رسالة تتجاوز شرح الدرس وتصحيح الواجب ووضع الاختبارات؛ فقد تمر على الطالب عشرات المعلومات وينسى كثيراً منها، لكنه قد لا ينسى معلماً آمن به، أو كلمة تشجيع قيلت له في الوقت المناسب، أو موقفاً أعاد إليه ثقته بنفسه، فالمعلم لا يصنع طالباً ناجحاً فحسب، بل قد يصنع إنساناً كاملاً من حيث لا يدري.ولذلك قال أحمد شوقي:
قُم للمعلِّمِ وفِّه التبجيلا
كادَ المعلِّمُ أن يكونَ رسولاً
وهناك الأسرة.. ذلك الطرف الآخر الذي لا نراه داخل المدرسة.
أبٌ يتابع، وأمٌ توقظ، وتسأل، وتدعو، وتقلق عند الاختبار، وتفرح بالنجاح وكأنه نجاحها هي، وقد تتبدل الأدوار بينهما..
وكم من شهادة عُلقت باسم الابن، وكان خلفها أبٌ وأمٌ يستحقان أن تُكتب أسماؤهما معها!
ولعلنا حين نكبر ندرك أشياء لم نكن نفهمها ونحن صغار؛ ندرك أن من كان يوقظنا صباحاً ربما كان أكثر تعباً منا، وأن من انتظر عودتنا من المدرسة كان يحمل همّنا قبل أن نحمله، وأن تلك الأسئلة المتكررة عن الواجب والاختبار لم تكن إزعاجاً كما كنا نظن، بل كانت حباً خالصاً جاءنا في صورة اهتمام.
فاللهم اجزِ والدينا عنا خير الجزاء، وبارك في أعمارهم وصحتهم، وارحم من رحل منهم، واجعل كل ما بذلوه وسهروا وتعبوا من أجله في موازين حسناتهم.
ثم يأتي زملاء الدراسة، وهؤلاء أيضاً جزء من الحكاية.
ربما تمر السنوات، وننسى درجات اختبار، أو اسم درس، أو صفحة من كتاب، لكننا لا ننسى كثيراً من الوجوه التي جلست بجوارنا، ولا ضحكة في ممر المدرسة، ولا صديقاً شاركنا البدايات والأحلام.
والصحبة الصالحة من أجمل ما يمكن أن يرزق به الإنسان في سنوات الدراسة؛ صديق يدفعك إلى النجاح، وينصحك إن أخطأت، ويفرح لك إذا تفوقت، ويحفظك في غيابك قبل حضورك.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل».
لذلك فإن اختيار الصديق في هذه المرحلة ليس أمراً عابراً، فقد يكون لبعض الأصدقاء أثر يمتد معنا بقية العمر؛ فمنهم من يبقى اسمه في الهاتف، ومنهم من يبقى أثره في القلب، ومنهم من يصبح بعد سنوات أخاً لم تلده الأم.
والطالب والمعلم والأسرة والأصدقاء ليسوا أطرافاً متفرقة، بل منظومة واحدة، كل واحد فيها يكمل الآخر، فإذا قام الطالب بواجبه، وأخلص المعلم في رسالته، واحتوت الأسرة أبناءها وتابعتهم دون إفراط أو إهمال، وكانت الصحبة عوناً على الخير والنجاح؛ أصبح التعليم رحلة لبناء الإنسان، لا مجرد طريق للحصول على شهادة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله له به طريقاً إلى الجنة» رواه مسلم.
ومع بداية هذا العام، لعل أجمل ما نقوله لأبنائنا وبناتنا: لا تجعلوا هدفكم أن تعبروا عاماً دراسياً فقط، بل ان تخرجوا منه أفضل مما دخلتموه؛ أكثر علماً، وأحسن خلقاً، وأوسع فكراً، وأوفى لأهلكم ومعلميكم وأصدقائكم.
وللمعلمين والمشرفين والمراقبين نقول: قد تكون كلمة منكم سبباً في تغيير مستقبل طالب بأكمله، فلا تبخلوا بها.
وللأسر: لا تجعلوا الدرجات وحدها مقياس النجاح؛ اقتربوا من أبنائكم، اسمعوا لهم، وازرعوا فيهم حب العلم قبل الخوف من الاختبار.
أما الطلاب، فاستمتعوا بهذه الأيام أرجوكم رغم مشقتها؛ فستأتي سنوات تنظرون فيها إلى مقاعد الدراسة بحنين، وتتمنون لو عادت بعض تفاصيلها ولو ليوم واحد.
فالأعوام الدراسية تنتهي، والكتب تُغلق، والشهادات تُعلّق على الجدران..
لكن العلم الذي تعلمناه، والأخلاق التي اكتسبناها، ودعوة والدينا، وكلمة معلم مخلص، وصحبة صديق صالح.. هي الأشياء التي تبقى معنا بعد أن يرن جرس الحصة الأخيرة بسنوات طويلة.
وكل عامٍ وأبناؤنا ومعلمونا وأهالينا بخير، وكل عامٍ والعلم بدايةٌ لحياة أجمل.
** **
- كاتب وباحث في الشؤون الاجتماعية