د. عبدالحليم موسى
لم تكن زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا مجرد محطة سياسية في مسار العلاقات السعودية الفرنسية، بل حملت في بعض مشاهدها دلالات تتجاوز السياسة والاقتصاد إلى الثقافة والتقنية وصناعة المستقبل، فقد شهد ولي العهد، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026، في مشهد جمع بين قيادتين سياسيتين وقطاع عالمي جديد أصبحت المملكة من أبرز القوى المؤثِّرة في صياغة مستقبله.
وتكتسب هذه اللحظة أهميتها من أنَّ البطولة التي انطلقت بفكرة سعودية واستضافت الرياض نسختيها الأولى والثانية، انتقلت في نسختها الثالثة إلى باريس، لتكون أول مدينة خارج المملكة تستضيفها، وقد شارك فيها آلاف اللاعبين من مختلف دول العالم، لتتحول البطولة إلى منصة عالمية تجمع الرياضة بالتكنولوجيا والإعلام والصناعات الإبداعية.
إنَّ اختيار هذا الحدث ضمن زيارة ولي العهد إلى فرنسا يحمل دلالة رمزية مهمة؛ فالشراكة السعودية الفرنسية لم تعد محصورة في المجالات التقليدية، وإنما تتجه إلى قطاعات التكنولوجيا والاستثمار والثقافة والصناعات الإبداعية، ومن هذا المنحى يمكن قراءة حضور ولي العهد للبطولة باعتباره رسالة إلى العالم بأنَّ المملكة لا تكتفي بمواكبة التحول الرقمي، بل تسعى إلى المشاركة في صياغة اتجاهاته وصناعة قطاعاته الجديدة.
وتشكِّل الرياضات الإلكترونية اليوم أحد مسارات القوة الناعمة السعودية، لأنها تجمع بين الشباب والتقنية والثقافة والاقتصاد الإبداعي في فضاء عالمي تتجاوز فيه المنافسة حدود الجغرافيا، ومن خلال استضافة البطولات واستقطاب المواهب العالمية، تستطيع المملكة بناء جسور جديدة مع الشعوب، وتعزيز حضورها في الوعي العالمي بلغة يفهمها الجيل الرقمي، وهكذا تتحول الرياضات الإلكترونية من منافسة على منصات اللعب إلى أداة للتواصل الحضاري وصناعة الصورة الذهنية للمملكة.
الرياضات الإلكترونية تقدم نموذجاً مختلفاً لمفهوم المنافسة؛ فالفوز فيها لا يعتمد على القوة البدنية وحدها، وإنما على سرعة الملاحظة، وتحليل المعلومات، وبناء الإستراتيجية، واتخاذ القرار، والتنسيق مع الفريق، وهذه القدرات تجعل الألعاب الإلكترونية، في صورتها الاحترافية، بيئة يمكن أن تسهم في تنشيط عدد من المهارات العقلية لدى الجيل الرقمي. فاللاعب يتعلم أن يقرأ الموقف، ويوازن بين البدائل، ويعدل خطته عندما تتغير الظروف، ويتعلم من الخطأ ليطور أداءه في المحاولة التالية.
تكمن القيمة الأهم في قدرة المؤسسات التعليمية على تحويل اهتمام الشباب بالألعاب إلى فرصة للتعلم، فاللعبة الحديثة تقف خلفها علوم متعددة؛ البرمجة والذكاء الاصطناعي، وتصميم الجرافيك، وتحليل البيانات والإنتاج الإعلامي والتسويق الرقمي.
وهنا يمكن للمدرسة والجامعة أن تنتقلا من مجرد النظر إلى الألعاب باعتبارها نشاطاً خارجياً إلى توظيفها كمدخل تعليمي، فمن الممكن إنشاء أندية ومختبرات للرياضات الإلكترونية تربط المنافسة بتعلم البرمجة وتحليل الأداء والتصميم وصناعة المحتوى، وبذلك ينتقل الطالب من مستهلك للتكنولوجيا إلى صانع لها، ومن لاعب يتعامل مع المنتج الرقمي إلى عقل يفهم كيف صنع وكيف يمكن تطويره؛ وهذه المهارات يحتاج إليها الإنسان في الجامعة وسوق العمل ومشروعات البحث والابتكار، ولذلك يمكن للرياضات الإلكترونية أن تصبح بيئة عملية يتدرب فيها الشباب على التعاون والقيادة والانضباط وتحمل المسؤولية.
وتكشف التجربة السعودية أنّ الاستثمار في الرياضات الإلكترونية يمكن أن يتجاوز تنظيم البطولات إلى بناء صناعة متكاملة تمنح الشباب فرصا للاحتراف والعمل والإبداع، إضافة إلى أنّ انتقال البطولة إلى باريس يوسع نطاق حضورها الدولي، ويمنحها بعداً ثقافياً يتجاوز المنافسة الرياضية إلى بناء التواصل بين المجتمعات، وهنا تتصل الرياضات الإلكترونية بصورة مباشرة بمستقبل الاقتصاد المعرفي؛ فالصناعة لا تحتاج إلى اللاعبين فقط، وإنما إلى المبرمجين والمصممين والمحللين والمدربين والإعلاميين والمنتجين ومديري الفعاليات.
لقد بدأت البطولة بفكرة سعودية، ونمت في الرياض، ثم وصلت إلى باريس، حاملة معها نموذجاً جديداً لصناعة تتحدث بلغة يفهمها ملايين الشباب حول العالم، وربما تكمن الرسالة الأعمق في أنَّ المستقبل لن يصنعه من يملك التكنولوجيا فقط، وإنما من يستطيع تحويل التكنولوجيا إلى معرفة، والمعرفة إلى إبداع، والإبداع إلى إنسان قادر على صناعة الغد المشرق.