«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في الرابع من سبتمبر المقبل، يلتقي الفنان السعودي عايض يوسف القرني جمهوره في جدة، خلال أمسية غنائية تحمل عنوان «ليلة عايض»، يحتضنها مسرح عبادي الجوهر أرينا ضمن فعاليات موسم جدة، برعاية الهيئة العامة للترفيه، وبمصاحبة الأوركسترا بقيادة المايسترو أحمد طه.ويقدم عايض خلال الأمسية باقة من أبرز أعماله التي ارتبط بها الجمهور طوال مسيرته، في ليلة تجمع الطرب والإحساس والتفاعل الحي، وتمنح أغنياته مساحة جديدة للقاء جمهورها على خشبة المسرح.وتأتي «ليلة عايض» ضمن سلسلة الحفلات التي تقدمها شركة بنش مارك خلال موسم جدة، في مشهد يواصل ترسيخ المدينة بوصفها إحدى أبرز وجهات الحفلات والموسيقى، من خلال لقاءات تجمع نجوم الأغنية بجمهورهم على مسارحها.
وتُطرح تذاكر الحفل اليوم 23 أغسطس عند الساعة الثامنة مساءً عبر منصة «ويبوك».
لكن الوصول إلى هذه المساحة لم يكن وليد لحظة؛ فقد بدأت تجربة عايض عام 2014 بنشر مقاطع غنائية عبر «إنستغرام»، دون أن يكشف هويته في البداية. وما بدأ كتجربة رقمية بسيطة، سرعان ما تحول إلى بوابة لصناعة جمهور، ثم إلى مسيرة فنية وضعت صاحبها بين الأسماء البارزة في المشهد الغنائي السعودي الحديث.
وجاءت أغنية «نسيتني»، من كلمات الشاعر فهد المساعد، إحدى المحطات المبكرة المهمة في مسيرته، ومنها اتسعت دائرة حضوره، وانتقل تدريجيًا من فضاء المنصات الرقمية إلى صناعة موسيقية أكثر احترافًا، وصولًا إلى المسارح الكبرى والفعاليات والجوائز الفنية.
من «ساقي العطش» إلى «لمّاح»
بدأ عايض بأعمال من بينها «ساقي العطش» و«نسيتني»، قبل أن تتوالى محطات تجربته عبر مجموعة من الألبومات، من أبرزها «عايض» عام 2016، و«تلخبط» عام 2017، و«ثمان آلام» و«بالموت جاء» عام 2018، ثم «كل الخطا» عام 2022، و«عايض» عام 2025.
وأسهمت أعمال مثل «استراحة محارب» و«تجيني» و«لمّاح» و«عالم العشاق» في ترسيخ حضوره لدى الجمهور الخليجي، وأظهرت قدرته على تقديم الأغنية العاطفية في قالب موسيقي حديث، مع إبقاء مساحة رحبة للصوت والإحساس.وتتجاوز أهمية عايض نجاح أغنية بعينها؛ فهو أحد أصوات جيل جديد استطاع أن يتحرك بين البوب الخليجي والطرب، مستفيدًا من أدوات الإنتاج الحديثة، دون أن ينقطع عن ملامح الأغنية السعودية والخليجية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربته بوصفها إحدى العلامات الدالة على التحول الذي شهدته صناعة النجومية السعودية؛ فلم يعد الفنان مضطرًا إلى انتظار بوابة الإذاعة أو التلفزيون للوصول إلى الجمهور، بل أصبح الفضاء الرقمي قادرًا على أن يكون نقطة البداية، ثم تتحول تلك البداية إلى مشروع فني يصل إلى المسرح والجمهور الواسع.
«يا طويق».. حين التقت التجربة الشابة بذاكرة الشعر
ومن المحطات التي تجاوزت حدود الأغنية في مسيرة عايض، «يا طويق» من كلمات الأمير الراحل بدر بن عبدالمحسن؛ وهي تجربة وصفها عايض بأنها «أول علامة فارقة» في حياته الفنية، خصوصًا أنها قُدمت في مناسبة وطنية وأمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
وتكشف هذه المحطة جانبًا مهمًا من تجربته؛ فالفنان الذي بدأ من المنصة الرقمية وجد نفسه أمام نص ينتمي إلى ذاكرة الشعر السعودي، ليؤكد أن الحداثة الموسيقية لا تعني القطيعة مع الذاكرة، وإنما تستطيع أن تمنحها صوتًا جديدًا يصل إلى أجيال مختلفة.
محمد عبده.. شهادة «أبو نورة»
ومن أقوى الشهادات التي حظيت بها تجربة عايض، إشادة الفنان محمد عبده بأدائه لأغنية «مذهلة». فقد وجه إليه رسالة مباشرة قال فيها: «حبيبي عايض، أحسنت أحسنت، حقيقي كنت رائع، صوتك سليم، أداؤك سليم، صوتك جميل وإحساسك جميل».
ولم تقف شهادة «أبو نورة» عند حدود الإشادة بالأداء، بل حملت رؤية للمستقبل حين قال له: «وفي وقتك وجيلك ستصبح من الفنانين الكبار، أنت الآن كبير وهتكبر أكثر».
وتكتسب هذه الشهادة دلالتها من صاحبها؛ إذ جاءت من أحد أبرز رموز الأغنية السعودية، ومنحت تجربة عايض اعترافًا من داخل المشهد الفني نفسه. وقد اعتبر عايض أن كلمات محمد عبده تكفيه، مشيرًا إلى أن إشادته بالفنانين ليست أمرًا عابرًا.
حين يتحول الانتشار إلى اعتراف
ولم يبق حضور عايض عند حدود الانتشار الجماهيري؛ إذ حصل عام 2024 على جائزة الفنان المفضل في فئة الموسيقى ضمن Joy Awards، كما نال جائزة أفضل أغنية خليجية عن «لمّاح» في النسخة الأولى من جوائز Billboard Arabia Music Awards، لتأتي هذه الجوائز امتدادًا لحضور جماهيري وفني أخذ في ترسيخ مكانته داخل صناعة الموسيقى.
عايض.. صوت التحول الموسيقي السعودي
لا يمكن فصل صعود عايض عن التحولات الثقافية والفنية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة؛ فقد اتسعت مساحات الإنتاج الموسيقي، وتعددت المسارح والفعاليات، وتطورت صناعة الترفيه، وأصبح الفنان السعودي أمام جمهور محلي واسع ومنصات إقليمية قادرة على حمل صوته إلى خارج الحدود.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة عايض أكبر من قصة نجاح شخصية؛ إنها جزء من قصة جيل وجد أمامه مساحة أوسع للتعبير والإنتاج والظهور، واستفاد من التقنية بوصفها وسيلة لصناعة الحضور، ومن التحول الثقافي باعتباره بيئة حاضنة للمواهب.
وفي عبارته «الحمدلله على نعمة السعودية» تتقاطع تجربته الفنية مع مشهد وطني اتسعت فيه مساحات الإنتاج والعرض والاحتفاء بالموسيقى والفنون، ليصبح الفنان السعودي جزءًا من صناعة ثقافية تتشكل ملامحها وتتسع آفاقها يومًا بعد يوم.
وهكذا، فإن «ليلة عايض» في جدة ليست مجرد موعد غنائي في الرابع من سبتمبر، بل محطة جديدة في مسيرة فنان شق طريقه من تجربة شخصية محدودة الانتشار إلى حضور واسع على المسارح الكبرى، وصولًا إلى «عبادي الجوهر أرينا».
وفي جدة، لا يكتفي عايض بالغناء لجمهوره؛ بل يضع فصلًا جديدًا في مسيرة صوتٍ يمثل جيلًا من الفنانين السعوديين الذين يتقدمون بالأغنية إلى المستقبل، دون أن يقطعوا صلتها بذاكرة المكان.