فعل الهلال في سوق الانتقالات كثيرًا مما كان جمهوره يطالب به. غادر لاعبون لم يعد لهم مكان في المشروع القادم، تحركت الإدارة في السوق المحلي، جاءت أسماء جديدة، وأعيد ترتيب القائمة بصورة توحي بأن هناك محاولة جادة لإغلاق ملفات الموسم الماضي وفتح صفحة مختلفة.
على الورق تبدو العملية مقنعة: تشخيص، استغناء، إحلال، وتدعيم. لكن السؤال الذي لا تجيب عنه الصفقات وحدها: هل انتهت فعلًا مشاكل الهلال؟
لأن مشكلة الهلال في الفترة الماضية لم تكن دائمًا في جودة الأسماء. كان يملك أسماء كبيرة، ونجومًا يتمناهم كثير من المنافسين، ومع ذلك تكررت العبارة التي أصبحت أشبه بموال طويل يردده الهلاليون بعد بعض المباريات: «هذا ليس الهلال الذي نعرفه.. وليس الهلال الذي نريده».
والهلال الذي يعرفه جمهوره ليس مجرد فريق يفوز.
هذه هي المسألة وتلك هي المعضلة.!.
الهلال الذي ترسخ في ذاكرة مدرجه فريق يدخل المباراة وفي داخله شعور بأنه سيحسمها، ويدخلها خصمه وفي داخله خوف من أن يفلت منه كل شيء. فريق لا يمنح منافسه وقتًا طويلًا كي يصدق أنه يستطيع الفوز عليه. يضغط، يسجل، يضاعف النتيجة، ثم يدير المباراة وكأن الأمر محسوم منذ وقت مبكر.
الهلال الذي يريده الهلاليون ليس فريقًا ينتظر الدقيقة التسعين لينجو كل مباراة، ولا فريقًا يحتاج في كل مباراة إلى تفسير فني طويل يشرح لماذا لم يظهر جيدًا. إنهم يريدون ذلك الهلال الذي يهز الجميع هزًا؛ الهلال الذي إذا تقدم لم يكتف، وإذا سجل الأول بحث عن الثاني، وإذا سجل الثاني أراد الثالث، وإذا تصدر الدوري جعل البقية يعيدون حساباتهم من أجل المركز الثاني وما بعده.
قد تبدو هذه المطالب قاسية، لكنها ببساطة ضريبة التاريخ. الأندية الكبيرة لا تقارن نفسها بالآخرين، بل تقارن نفسها بأفضل نسخها، ولهذا قد يفوز الهلال وتبقى جماهيره غير راضية، وقد يتصدر ولا تشعر أن الصورة اكتملت. لأن السؤال الهلالي مختلف: ليس فقط «هل فزنا؟»، وإنما «كيف فزنا؟ وهل هذا هو الهلال؟».
من هنا، فإن إنهاء عقود اللاعبين الذين لا يخدمون المشروع خطوة مهمة، والتعاقد مع لاعبين أفضل خطوة أهم، لكنهما لا تصنعان وحدهما فريقًا مرعبًا. الفريق الكبير تصنعه شخصية جماعية قبل أن تصنعه الأسماء.
يحتاج الهلال إلى استعادة شهيته القديمة تجاه المباراة؛ ذلك الجوع الذي يجعل الهدف الأول بداية للمباراة لا نهايتها، ويجعل الدقيقة السبعين وهو متقدم بهدف لحظة بحث عن الحسم، لا بداية تراجع وانتظار صافرة النهاية.
ويحتاج أيضًا إلى استعادة شيء آخر ربما يكون أهم من أي صفقة: الهيبة.
والهيبة في كرة القدم لا تُشترى في سوق الانتقالات، ولا تظهر في فيديو تقديم لاعب عالمي. الهيبة تُبنى أسبوعًا بعد أسبوع. حين يعرف المنافس أنك إذا منحتك مساحة عاقبته، وإذا أخطأ أمامك قتلته كرويًا، وإذا تأخرت عليك عدت، وإذا تقدمت عليه لم تمنحه فرصة للعودة.
ذلك هو الهلال الذي يخشاه الآخرون قبل أن تبدأ المباراة.
أما الأسماء الجديدة، مهما كانت قيمتها، فليست سوى أدوات لصناعة هذه الحالة. نجاحها الحقيقي لن يقاس بعدد التغريدات التي صاحبت الإعلان عنها، وإنما بما ستفعله عندما تصبح الكرة في الملعب، وبقدرة الجهاز الفني على تحويل مجموعة النجوم إلى فريق واحد، له إيقاع واضح وشخصية واضحة وردة فعل واضحة.
ولهذا ربما يكون من المبكر القول إن مشاكل الهلال انتهت.
الذي انتهى حتى الآن هو جزء من مرحلة التشخيص والتنظيف وإعادة البناء. أما العلاج الحقيقي فسيبدأ عندما تتوالى المباريات. هناك فقط سنعرف هل تغير الهلال فعلًا، أم تغيرت قائمة الأسماء فقط.
سنكتشف ذلك عندما يتقدم الهلال بهدف: هل يبحث عن الثاني أم يحافظ على الأول؟ وعندما يواجه فريقًا أقل منه إمكانات: هل يفرض عليه الفوارق أم يمنحه الشجاعة؟ وعندما يخسر مباراة: هل يهتز أسابيع أم يعود في المباراة التالية أكثر شراسة؟ وعندما يصل إلى مباراة بطولة: هل نشاهد فريقًا ينتظر ما سيحدث أم فريقًا يقرر بنفسه ماذا سيحدث؟
هذه التفاصيل هي التي ستجيب عن السؤال.
الجمهور الهلالي لا ينتظر فريقًا كاملًا لا يخسر أبدًا؛ فهذا لا وجود له في كرة القدم. لكنه ينتظر فريقًا حين يخسر تعرف أنه الهلال، وحين يتعثر تشعر أن عودته قريبة، وحين يفوز ترى في فوزه شخصية البطل لا مجرد ثلاث نقاط.
لقد غادر من غادر، وجاء من جاء، وتغيرت ملامح القائمة، وأصبح الجهاز الفني أمام مساحة أكبر لبناء الفريق الذي يريده.
والآن لم يعد السؤال: من سيأتي للهلال؟
السؤال الأصعب: أي هلال سيأتي إلينا؟
هل يعود ذلك الأزرق الذي يجعل خصمه يبدأ المباراة بحلم الفوز وينهيها ممتنًا لأن النتيجة توقفت عند حد معين؟ هل يعود الفريق الذي يحسم الدوري قبل أن تبدأ حسابات الجولات الأخيرة؟ هل يعود الهلال الذي لا يترك للآخرين سوى صراعهم الخاص على المركز الثاني وما بعده؟
إذا حدث ذلك، سنعرف أن المشروع نجح.
وسيتوقف أخيرًا ذلك الموال الطويل:
«هذا ليس الهلال الذي نعرفه»..
لأن الهلال الذي يعرفه جمهوره سيكون واقفًا أمامهم من جديد.
** **
خالد الباتلي - كاتب إعلامي