ليس كل ما يُكتب يُقرأ، وليس كل ما يُقرأ يُفهم، وليس كل ما يُفهم يبقى.
بين الكاتب والقارئ تقف الصحيفة في موضعٍ أدق مما يبدو؛ فهي لا تنقل الكلمات فحسب، بل تختار -في كل مرة- أيَّ الكلمات تستحق أن تُمنح عمرًا إضافيًا في عقول الناس.
ولهذا لم تكن الكتابة يومًا حبرًا يبحث عن ورق، ولا ينبغي أن تكون الصحيفة مساحة تبحث عمن يملؤها.
فالمساحات تُملأ بسهولة، أما الأثر فلا.
الكاتب الحقيقي لا يبدأ من السؤال: ماذا أكتب اليوم؟
بل من سؤال أصعب: ما الذي يستحق أن يأخذ من عمر إنسان دقائق لن تعود؟
ذلك أن القارئ حين يفتح مقالًا، فإنه لا يمنح الكاتب عينيه فقط؛ بل يمنحه جزءًا من حياته.
وهذه، في ظني، أمانة الكتابة الأولى.
لقد أصبح العالم يكتب أكثر مما يقرأ، وينشر أكثر مما يتأمل. وفي كل لحظة تولد آلاف الكلمات وتموت آلاف أخرى قبل أن تجد ذاكرة تؤويها.
لم تعد المشكلة في ندرة المعلومة، بل في طغيانها.
ولم يعد الكاتب ينافس كاتبًا آخر فقط؛ إنه ينافس هاتفًا يهتز، ومقطعًا يلمع، وخبرًا عاجلًا، ورسالةً تصل، وعالمًا كاملًا يتزاحم على عين القارئ.
وهنا تتغير صناعة المقال.
فلا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة، ولا اللغة سليمة، ولا العبارة جميلة.
هناك أفكار صحيحة لا توقظ أحدًا.
وعبارات جميلة تمر على القلب كما يمر الماء على الزجاج.
ومقالات تنتهي بانتهاء آخر نقطة فيها.
الكتابة التي تستحق أن تبقى هي التي تجعل القارئ بعد آخر سطر أقل اطمئنانًا إلى بعض أفكاره القديمة، وأكثر انتباهًا إلى شيء كان يراه كل يوم ولا يراه.
فالكاتب لا يمنح القارئ عينًا جديدة، ولكنه قد يمسح الغبار عن عينه القديمة.
ومن هنا تبدأ العلاقة العجيبة بين ثلاثة لا يجلسون غالبًا إلى طاولة واحدة: الكاتب، والصحيفة، والقارئ.
الكاتب يصنع السؤال.
والصحيفة تمنحه المنبر.
والقارئ يمنحه الحياة.
وإذا اختل واحد من هذا المثلث، تحولت الكتابة إلى كلمات تؤدي وظيفةً ثم تنصرف.
ولعل الصحيفة تدرك هذا أكثر من غيرها؛ فهي لا تختار مقالًا فحسب حين تفتح صفحتها لكاتب، بل تقدم للقارئ عقلًا جديدًا سيجلس إليه من حين إلى آخر.
ولهذا فإن اسم الكاتب في صفحة الرأي ليس زينة طباعية.
إنه وعد.
وعدٌ بأن وراء الاسم عقلًا يستحق أن يعود إليه القارئ.
ومن هنا أيضًا تأتي مسؤولية الكاتب؛ لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث له ليس أن يعترض الناس على رأيه، بل أن يعرفوا مسبقًا ماذا سيقول.
حين يصبح الكاتب نسخةً متوقعة من نفسه، تبدأ شيخوخة قلمه ولو كان في أول شبابه.
الكتابة الحية تُفاجئ صاحبها أحيانًا قبل أن تفاجئ قارئها.
تدخل إلى المألوف من بابٍ لم ينتبه إليه أحد، وتضع السؤال في المكان الذي اعتاد الناس أن يضعوا فيه الإجابة.
ولا تحتاج في كل مرة إلى قضية كبرى.
قد يبدأ المقال من مقعد فارغ في بيت، أو كلمة قالها طفل، أو رجل ينتظر عند باب مستشفى، أو هاتف موضوع بين اثنين يحب أحدهما الآخر، أو عجوز يعبر الطريق ببطء بينما المدينة كلها مستعجلة.
الأشياء العظيمة ليست دائمًا بعيدة.
أحيانًا تكون عظمتها في أننا مررنا بها ألف مرة ولم ننتبه.
وهنا أظن أن الفرق بين الكاتب وغيره ليس أن حياته أغنى بالأحداث، وإنما أن انتباهه أكثر جوعًا للمعنى.
يرى ما نرى، لكنه لا يمر بما نمر به بالطريقة نفسها.
يسأل الأشياء الصامتة.
ويشك في الإجابات السهلة.
ويعرف أن وراء المشهد الصغير إنسانًا، ووراء الإنسان حكاية، ووراء الحكاية معنى قد يصلح لأن يكون مرآة لآلاف البشر.
لكن الكاتب، مهما بلغت قدرته، يحتاج إلى صحيفة تعرف الفرق بين من يملأ المساحة ومن يمنحها قيمة.
والصحيفة، مهما بلغ حضورها، تحتاج إلى قارئ لا يأتيها بحثًا عن الخبر وحده، بل عن تفسير الإنسان داخل الخبر.
والقارئ، مهما اتسعت خياراته، سيظل يبحث عمن يقول له شيئًا كان يشعر به ولم يعرف كيف يقوله.
عند تلك النقطة تحديدًا تولد الكتابة التي تبقى.
لا حين يقول القارئ:
ما أجمل ما كتب.
بل حين يصمت قليلًا ويقول:
كيف لم أنتبه إلى هذا من قبل؟
ذلك الصمت الصغير الذي يلي فكرةً كبيرة هو، في نظري، إحدى أجمل مكافآت الكاتب.
أما المقال؟
فقد ينتهي عند آخر نقطة.
وأما الأثر، فمن هناك يبدأ.
** **
- محمد سعد القحطاني
m7drem@gmail.com