في الماضي، كان الإعلام يقف على مسافة واحدة من الحدث، ينقله إلى الجمهور ثم يترك له مهمة تفسيره. أما اليوم، فقد تغيرت المسافة بين الحدث والمتلقي بشكل كبير؛ فالخبر يصل في اللحظة نفسها التي يقع فيها، والصورة قد تسبق الرواية، والتعليق قد يتحول إلى موقف عام قبل أن تكتمل تفاصيل القصة.
في هذا المشهد المتسارع، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لإخبار الناس بما يحدث، بل أصبح أحد العوامل التي تؤثر في الطريقة التي يفهمون بها ما يحدث. وهنا تكمن قوته الحقيقية.
فالأحداث لا تصل إلى الجمهور في صورتها الخام. هناك دائمًا من يختار العنوان، والصورة، والتوقيت، والزاوية، والمساحة التي يمنحها للموضوع. وهذه الاختيارات، مهما بدت تحريرية في ظاهرها، تسهم في تشكيل الصورة التي تتكون في ذهن المتلقي.
قد يكون الحدث واحدًا، لكن طريقة تقديمه قادرة على إنتاج أكثر من قراءة له. ومن هنا تأتي مسؤولية الإعلام؛ فالكلمة الإعلامية لا تنتهي عند لحظة نشرها، بل قد تستمر في تشكيل الانطباعات والمواقف، وربما تؤثر في قرارات يتخذها الأفراد والمؤسسات.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الإعلام اليوم ليس فقط: هل نقلنا الخبر؟ بل أيضًا: هل ساعدنا الجمهور على فهمه؟
الفرق بين السؤالين كبير، نقل المعلومة يمكن أن يتم في دقائق، أما بناء الفهم فيحتاج إلى سياق وتحقق وهدوء في المعالجة، إلى جانب القدرة على الفصل بين الحقيقة والرأي. وفي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، لم تعد قيمة الإعلام في امتلاك الخبر وحده، وإنما في القدرة على تقديمه بصورة موثوقة ومفهومة.
وهذا ما يجعل صناعة الوعي إحدى أهم وظائف الإعلام المعاصر، فالوعي لا يُبنى بكثرة الأخبار، وإنما بجودة ما يصل إلى الناس منها. وقد يكون الخبر صحيحًا في تفاصيله، لكنه مضلل في سياقه، أو قد تكون الصورة حقيقية، لكنها لا تعكس القصة كاملة. لذلك أصبحت المهنية الإعلامية اليوم مرتبطة بقدرة الصحفي والمؤسسة الإعلامية على تقديم الصورة الأوسع، لا الاكتفاء بالجزء الأكثر إثارة منها.
ومع صعود المنصات الرقمية، أصبح الجمهور شريكًا في صناعة المشهد الإعلامي. لم تعد غرفة الأخبار وحدها قادرة على تحديد ما يتصدر النقاش العام؛ فالمستخدم يستطيع أن يصور وينشر ويعلق ويعيد تداول المحتوى خلال ثوانٍ.
هذه السرعة منحت المجتمع قدرة غير مسبوقة على التعبير، لكنها في الوقت نفسه جعلت التحقق أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالمعلومة غير الدقيقة لا تحتاج اليوم إلى ساعات حتى تنتشر؛ قد تحتاج إلى دقائق فقط.
ومن هنا، تصبح الثقة رأس المال الحقيقي للإعلام.
المؤسسة الإعلامية التي تحرص على الدقة لا تبني جمهورها بالصدفة، وإنما تبني رصيدًا يتراكم مع الوقت. والجمهور قد يتسامح مع اختلاف وجهات النظر، لكنه يصعب أن يتسامح مع فقدان المصداقية.
وتظهر أهمية الإعلام بصورة أوضح في علاقة المؤسسات بجمهورها.
فصورة المؤسسة لا تتشكل من إعلاناتها وحدها، وإنما من الطريقة التي تتحدث بها، وكيف تستجيب للأزمات، وما الذي توضحه وما الذي تتركه غامضًا، وكيف تتعامل مع الأسئلة التي يطرحها الجمهور.
ولهذا أصبح الاتصال المؤسسي اليوم أكثر من مجرد إصدار بيان أو نشر خبر؛ إنه إدارة مستمرة للعلاقة مع الجمهور، تقوم على الوضوح والاستماع والاستجابة، وعلى إدراك أن السمعة لا تُبنى في يوم واحد، لكنها قد تتأثر بموقف واحد.
وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تتعامل مع الإعلام باعتباره شريكًا في بناء الثقة تكون أكثر قدرة على إيصال رسالتها، خصوصًا في الأوقات التي تزداد فيها الشائعات ويصبح الجمهور في حاجة إلى مصدر واضح وموثوق.
ثم جاءت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتفتح فصلًا جديدًا في هذه العلاقة.
أصبح إنتاج النصوص والصور والمقاطع أسرع، وأصبح الوصول إلى المعلومات أكثر سهولة، لكن هذه السرعة تضع الإعلام أمام سؤال أكثر أهمية: من يتحمل مسؤولية ما يُنتج؟
قد تساعد التقنية في كتابة النص أو تحليل البيانات أو تسريع البحث، لكنها لا تستطيع أن تستبدل المسؤولية المهنية. فالتحقق من معلومة، وفهم حساسيتها، ومعرفة أثر نشرها، والتمييز بين ما هو مهم وما هو مثير فقط، كلها أمور تتطلب وعيًا بشريًا.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الإنسان في الإعلام، فكلما تطورت الأدوات، ازدادت الحاجة إلى عقل يعرف كيف يستخدمها، لا إلى أداة تنتج المزيد من المحتوى فحسب.
المستقبل الإعلامي لن يكون بالضرورة لمن ينشر أسرع، وإنما لمن يستطيع أن يحافظ على التوازن بين السرعة والدقة، وأن يعرف متى يكون التأثير مهمًا ومتى تصبح المسؤولية أهم، وأن يجذب الانتباه دون أن يفقد احترامه لعقل المتلقي.
الإعلام القوي ليس الذي يملأ المساحات بالأخبار، بل الذي يترك لدى الجمهور فهمًا أفضل لما يدور حوله.
ولهذا فإن الإعلام، في صورته الحديثة، لا يقف خارج صناعة الواقع كما كان يُتصور سابقًا؛ إنه جزء من الطريقة التي يُرى بها الواقع ويُناقش ويُفهم.
قد لا يستطيع الإعلام تغيير الحدث نفسه، لكنه يستطيع أن يحدد إلى حد كبير أي صورة من الحدث ستبقى في ذاكرة الناس.وهذه القوة، قبل أن تكون امتيازًا، هي مسؤولية.
مسؤولية أن تكون الكلمة دقيقة، وأن تكون الصورة في سياقها، وأن تكون القصة أكبر من عنوانها، وأن يبقى الإنسان حاضرًا خلف كل تقنية.
ففي زمن يستطيع فيه الجميع أن ينشر، تظل القيمة الحقيقية لمن يعرف ماذا يقول، وكيف يقوله، ولماذا يستحق أن يُقال.
** **
- أحلام الحربي