تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، عند النظر إليها من زاوية السياسة، وكأنها صراع بين قوتين تتنافسان على قيادة الاقتصاد العالمي. حرب تجارية، وقيود على التكنولوجيا والرقائق، وتنافس على النفوذ والأسواق وسلاسل الإمداد. لكن خلف هذه الصورة توجد حقيقة اقتصادية أكثر تعقيدًا: الصين وأمريكا، رغم تنافسهما، ما زالتا مرتبطتين ببعضهما بدرجة تجعل الانفصال الكامل بينهما أمرًا بالغ الصعوبة والتكلفة.
أحد أبرز مظاهر هذا الارتباط يظهر في العملة. فاليوان الصيني ليس عملة حرة التعويم بالكامل، بل يدير البنك المركزي الصيني حركته ضمن سياسة نقدية توازن بين استقرار الاقتصاد والمحافظة على تنافسية الصادرات. ويبقى الدولار عنصرًا رئيسيًا في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب مكانته كعملة احتياط عالمية، وإنما لأن جزءًا مهمًا من التجارة الدولية وتسعير السلع والاحتياطيات العالمية ما زال مرتبطًا به.
وتكمن المفارقة في أن الصين، التي تسعى إلى تقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز استخدام اليوان عالميًا، استفادت لعقود من النظام التجاري العالمي الذي يحتل فيه الدولار موقع الصدارة. فالمصانع الصينية تنتج كميات هائلة من السلع للأسواق الخارجية، بينما تمثل السوق الأمريكية واحدة من أهم وجهات هذه المنتجات.
في الاتجاه الآخر، استفاد المستهلك الأمريكي من القدرة الصناعية الصينية التي وفرت كميات ضخمة من المنتجات بأسعار تنافسية، كما اعتمدت شركات أمريكية كبرى على الصين في التصنيع والمكونات وسلاسل التوريد. وهكذا تشكلت علاقة يصعب اختصارها في مفهوم المنافسة وحده؛ فكل طرف ينافس الآخر، لكنه في الوقت نفسه يستفيد منه.
حتى أسعار الفائدة الأمريكية تصل آثارها إلى الصين. فعندما ترتفع العوائد على الأصول الدولارية، قد تتحرك رؤوس الأموال نحو الدولار، ما يضع ضغوطًا على اليوان ويجعل السلطات الصينية أمام معادلة دقيقة بين دعم الاقتصاد والمحافظة على استقرار العملة وتدفقات الأموال.
كما أن الصين راكمت على مدى سنوات احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية، واستثمرت جزءًا منها في أصول دولارية، بما فيها سندات الخزانة الأمريكية. وهنا تظهر واحدة من أكثر صور الترابط إثارة: الصين تمول جزءًا من الدين الأمريكي، بينما تشتري الولايات المتحدة جزءًا مهمًا من الإنتاج الصيني.
لكن هذه العلاقة بدأت تتغير. فالولايات المتحدة تعمل على إعادة بعض الصناعات الاستراتيجية إلى الداخل أو نقل سلاسل الإمداد إلى دول أخرى، بينما تحاول الصين توسيع أسواقها، وزيادة استخدام اليوان في التجارة الدولية، وتقليل اعتمادها على التكنولوجيا والنظام المالي الأمريكي.
ومع ذلك، فإن فك هذا التشابك الذي بُني خلال عقود لا يحدث بقرار سياسي سريع. فحجم الاقتصادين، وتشابك التجارة والاستثمارات والأسواق المالية وسلاسل الإمداد، يجعل العلاقة بينهما أقرب إلى «تنافس داخل شراكة اقتصادية اضطرارية».
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل تستطيع الصين الاستغناء عن أمريكا؟ أو هل تستطيع أمريكا الاستغناء عن الصين؟
السؤال الأهم هو: من يستطيع تقليل اعتماده على الآخر أولًا، ومن سيدفع التكلفة الأقل عندما يحدث ذلك؟
وهذه قد تكون المعركة الاقتصادية الأهم بين أكبر قوتين في العالم خلال السنوات المقبلة.
** **
- عبدالله صالح الشماسي