عبدالوهاب الفايز
(جرب النوم تخسر) هذا عنوان لسلسلة مقالات كتبتها في فترات مختلفة، أولها كان في جريدة الرياض قبل خمسة وعشرين عاما؛ وايضاً في سلسلة مقالات بعنوان (عقاب المواطن الصالح)، تطرقنا في أحدها لخطورة تمدد ساعات السهر في حياتنا مما جعل المواطن الذي ينام مبكرا يخسر في جبهات عديدة! وهذه الإشكالية ذات الأثر السلبي المتعدي كلما مضى بنا الزمن تتعقد متغيراتها وترتفع تكلفة علاجها، وقد تبقى (فصل ضائع بين الفصول الأربعة). لا جديد، ها نحن بعد ربع قرن نتطارح الهموم ونبث الشكوى!
تحدثنا في الحلقة الأولى الأسبوع الماضي عن الطالب الذي يدخل الفصل مثقل الرأس متعب الجسد، يجر أذيال السهر، وانتهينا إلى أن المدرسة وحدها لا تستطيع حل هذه المعادلة؛ فالثقل الأكبر يقع على الأسرة، لأنها الجهة الوحيدة القادرة عمليًا على ضبط موعد نوم الطفل واستيقاظه، وعليها (وحدها!) مسؤولية تهيئة البيئة للنوم المبكر. لكن هذا الاستنتاج، تركنا نواجه سؤالًا ضرورياً: هل بمقدور الأسرة السعودية اليوم المحاصرة بالتحديات الاجتماعية أداء هذا الدور؟
أجزم هنا أنكم توافقون على أن التحديات أمام الأسرة أصبحت كبيره وتتعمق، ومنها أم التحديات: السهر! الأسرة التي تقرر، بعد اقتناع كامل بأهمية النوم المبكر، وتُنهي عشاءها الساعة الثامنة، وتُطفئ الأجهزة، وتضع أبناءها في الفرش قبل التاسعة، لا تفعل ذلك في فراغ. تقوم بهذا وسط مدن أسواقها ومطاعمها ومقاهيها تبقى تستقبل الزوار حتى ساعات متأخرة من الليل. وايضا الزيارات العائلية أو المناسبات الاجتماعية والمباريات الرياضية لا تبدأ فعالياتها الا بعد التاسعة أو العاشرة مساءاً. وهذا يجعل الأسرة الملتزمة بالنوم المبكر تسبح عكس تيار اجتماعي كامل، لا يدعها وشأنها، بل يعاقبها على مخالفته!
وأول مظاهر العقاب الاجتماعي للسلوك الصالح نجده في (الصورة الذهنية السلبية) التي تتولد في المجتمع تجاه هذا السلوك الحسن. فالأسرة التي تعتذر عن مناسبة تمتد إلى ما بعد منتصف الليل، أو تغادر التجمع العائلي مبكرًا حرصًا على نوم أبنائها، كثيرًا ما تُوصف بأوصاف لا تخلو من التنقيص والتخلف! وتخسر فرص اللقاءات الاجتماعية والأسرية.
وقد تتحول مغادرتها المبكرة إلى مادة للمزاح أو حتى للسخرية الخفيفة في المجالس. وهذا عائق نفسي واجتماعي لا يقل خطورة عن أي عائق مادي؛ لأنه يضع الأسرة أمام معادلة صعبة بين مصلحة أبنائها الصحية والتعليمية من جهة، وبين الحرج الاجتماعي والرغبة في الانسجام مع محيطها من جهة أخرى. وكثير من الأسر، أمام هذا الضغط غير المعلن، تفضل أن (تجاري) المجتمع بدل أن تُصنَّف خارجه.
المفارقة أن هذا الاستهزاء يطال سلوكًا ينسجم تمامًا مع ما تنادي به الأدبيات الطبية والتربوية عالميًا، بل ينسجم مع الدين الاسلامي والقيم الاصيلة في ثقافتنا نفسها حين تحدثت النصوص عن حق الجسد وانتظام الليل والنهار. والله سبحانه وتعالى يقول (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)، فهذه هي الفطرة والطبيعه البشرية السوية المنتجة للحياة والمكلفة بعمارة الأرض. فالأسرة التي تحمي نوم أبنائها لا تفعل شيئًا شاذًا وغير طبيعي؛ إنها فقط تصطدم بعرف اجتماعي لا يجاري ما أمر به الدين واستقر عليه العلم.
وإلى جانب هذا العائق النفسي، هناك عوائق أكثر مادية تُثقل كاهل الأسرة. فساعات عمل كثير من الآباء لا تنتهي فعليًا عند الساعة الرسمية المعلنة، والطريق والازدحام يضيفان وقتًا آخر، بحيث يعود الأب إلى بيته متأخر يحرمه مشاركة العشاء المبكر مع أبنائه. ومغريات السهر مثل (اجتماعات الأصدقاء الليلية في المقاهي والاستراحات) جعلت بعض الآباء يمدد ساعات خروجه من المنزل، وهذا يعطى الأبناء الفرصة والعذر للسهر، وهنا يُسقط في يد الأمهات، فلا راعيا يمارس دوره!
ثم تأتي المتاجر والأسواق والمطاعم والمقاهي لتضيف هما على ألم. فحين تبقى محلات تجارة التجزئة مفتوحة، والأسواق الكبرى مزدحمة حتى منتصف الليل، فإنها لا تكتفي بأن تكون خيارًا متاحًا للتسوق الضروري؛ بل تتحول تدريجيًا إلى حاجة الترفيه غير الضرورية، وهذا وسع مساحة التحديات للأسرة.. تحديات الاستهلاك المفرط، وتحدي السهر.
وعند الطلاب لا تقف تبعات هذا التراخي عند حدود التعب والانفعال وضعف التركيز في المدرسة، بل تمتد إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير على المدى المتوسط والبعيد. الدراسات الطبية الحديثة تكشف عن رابط مباشر بين قلة النوم المزمنة عند الأطفال والمراهقين وبين اضطرابات كانت تُصنَّف قبل عقود (ضمن أمراض الكبار). فقصر مدة النوم يرتبط بارتفاع مقاومة الجسم للأنسولين وتراجع مستويات الكوليسترول النافع لدى الأطفال، وتقل كفاءة حرق السعرات الحرارية.
وتشير مراجعات علمية متعددة إلى أن الطفل الذي ينام أقل من حاجته يصبح أكثر عرضة لزيادة الوزن والسمنة، ليس فقط بسبب قلة الحركة، بل لأن الحرمان من النوم نفسه يُحدث خللًا هرمونيًا يرفع الشهية ويدفع نحو الأطعمة الخاوية عالية السعرات في ساعات متأخرة من الليل، وهو ما يفسر جزئيًا لماذا يقترن السهر عمليًا بكثرة الوجبات الخفيفة الليلية. وهذه أصبحت ميسرة مع سهولة الطلب والدفع نتيجة ارتفاع تنافس المطاعم وشركات التوصيل، وغفلة الأسرة واستسلامها لطوارق الليل!
وثمة مشكلة أخرى. السهر الذي يؤدي الى تأخر مواعيد العشاء يترتب عليه النوم بعده مباشرة مما يهيئ الأرضية لشكاوى مثل (ارتجاع المريء) التي أصبح الأطباء يرونها في أعمار أصغر من المعتاد. والمفارقة أن هذه ليست مخاطر مستقبلية بعيدة نتحدث عنها بصيغة الاحتمال، بل مؤشرات تبدأ بالتشكل فعليًا في سنوات الطفولة والمراهقة المبكرة، وتصعب معالجتها كلما تأخر اكتشافها، وقد تتطور إلى سرطان المريء.
وإلى جانب هذا البعد الصحي الجسدي هناك بعد آخر لا يقل خطورة لتأخير مواعيد النوم. حين يسهر الطفل أو المراهق داخل غرفته مع جواله، فإنه غالبًا لا يكون وحيدًا، بل يكون متصلًا بعالم لا رقابة عليه. فالخلوة الليلية للطفل مع هاتفه أو جهازه اللوحي ومن حوله نيام، تفتح الباب أمام تواصل مع غرباء عبر الألعاب والتطبيقات ومنصات التواصل، وقد يكون أمام محتوى لا يناسب عمره، وفي ساعة تنعدم فيها أي رقابة أسرية مباشرة.
وهذا الخطر يزداد كلما طالت ساعات السهر، لأن الوقت المتأخر من الليل هو تحديدًا الوقت الذي تقل فيه احتمالية أن يطرق أحد الوالدين الباب ليطمئن. فالمشكلة هنا ليست فقط أن الطفل يخسر ساعات من نومه، بل أنه يقضي هذه الساعات بمفرده في بيئة رقمية مفتوحة، دون أن يعرف والداه بالضبط مع من يتحدث أو ماذا يشاهد.
هذان البعدان - الصحي والرقابي السلوكي - يحوّلان قضية النوم من مسألة تتعلق بالتحصيل الدراسي والمزاج الصباحي السلبي، إلى قضية تمس جوهر سلامة الطفل الجسدية والنفسية. وهذا بالضبط ما يجعل مطالبة الأسرة بضبط مواعيد نوم أبنائها ليست تشددًا زائدًا، بل هو حماية ورعاية وممارسة للمسؤولية.
أمام هذه الصورة، ليس عدلا اختزال المشكلة في تقصير الأسرة، كما يصبح من غير الواقعي مطالبتها بمقاومة كل هذه الضغوط بمفردها معتمدة فقط على وعيها وإرادتها. فالأسرة التي تلزم نفسها بمواعيد نوم صحية لأبنائها تقوم في الحقيقة بجهد إضافي يتجاوز تربية أبنائها إلى مقاومة تيار اجتماعي كامل، وهذا جهد يستحق أن يذكر ويشكر.. لا السخرية منه.
فماذا لو انعكست المعادلة؟ ماذا لو أصبحت الأسرة الملتزمة بنوم أبنائها هي القاعدة التي يُقاس عليها الوعي الأسري والاجتماعي، بدل أن تكون استثناءً يُنظر إليه بريبة أو تندّر؟
هذا لا يتحقق بمجرد نصيحة تربوية جديدة، بل يحتاج أولًا إلى اعتراف مجتمعي بأن (حماية نوم الطفل) قرار واعٍ سيادي يستحق الاحترام لا الاستخفاف، وثانيًا إلى دعم عملي يخفف عن الأسرة بعض هذا العبء: توعية إعلامية تعيد تشكيل هذه الصورة الذهنية، وبرامج مدرسية تشرك الأسرة ولا تكتفي بمخاطبة الطالب وحده، ومساحات وأنشطة عائلية منضبطة تراعي في مواعيدها أن هناك أطفالًا يحتاجون إلى النوم مبكرًا.
لكن هذا الدعم المجتمعي والثقافي، مهما بلغ، سيظل محدود الأثر ما دامت حياة المدن مفتوحة لساعات عمل ممتدة ونمط حياة كانّه مصمم ليصل الليل بالنهار. هنا يتضح أن مسؤولية الأسرة، مهما عظمت، لا يمكن أن تُفصل عن السؤال الأكبر: من يملك أصلًا صلاحية إعادة ضبط هذا الوضع الاجتماعي المرتبك؟ من يعيد السكينة للمجتمع حتى تستطيع اغلبية الناس المشغولة بهموم حياتها ومعيشتها أن تنام باكراً. هل هذا كثير وصعب على الدولة بسلطاتها السيادية وبمؤسساتها؟!
وللحديث المؤلم الممل الكئيب بقية.. الشكوى لله!