أ.د.صالح معيض الغامدي
ينبغي في السيرة الذاتية أن نفرق بين أربعة أساليب في استرجاع الماضي، وعلاقة ذلك بالمصداقية من عدمها؛ لأنها قد تختلط على كاتب السيرة الذاتية، وقد يجلب هذا الخلط الغموض أو الإرباك للقراء. فالسارد قد يسرد حادثة حقيقية وقعت له بالفعل، كأن يقول: «وأذكر أنني في ذلك العام حصلت على أول وظيفة لي في حياتي في مصلحة البريد»، أو يسرد هذا الحدث بناءً على أمنية داخلية في نفسه فقط، فيقول: «في ذلك العام كنت آمل أن أحصل على وظيفة في مصلحة البريد»، أو يسرد هذا الحدث بناءً على تفكير رغبي: «في ذلك العام شعرت أنني حصلت على وظيفة في مصلحة البريد»، أو يسرد هذا الحدث بأسلوب مختلق/ كاذب تمامًا: «في ذلك العام حصلت على وظيفة في مصلحة البريد»، وهو في الواقع لم يحصل عليها!
والحقيقة أن الإشكالية تقع أكثر ما تكون في الأسلوبين الثاني والثالث؛ لأن الكاتب قد يتوهم، وهو في مرحلة متأخرة من العمر وقد بدأت قوة الذاكرة في التراجع، أنه فعل أشياء كان يتمنى أن يفعلها، ولكنه في الواقع لم يفعلها لسبب أو لآخر، ومع ذلك يرويها وكأنها قد حدثت بالفعل. ففي هذه الحالة نجد أن الكاتب يخدع نفسه أولًا، ويخدع قارئه في الوقت ذاته ثانيًا؛ لأنه يروي أحداثًا لم تقع، وإنما كان يرغب في وقوعها أو يتمنى ذلك، دون أن يستلزم ذلك تعمد الكاتب الكذب على قرائه بالضرورة.
وهنا يواجه كاتب السيرة الذاتية معضلة أخلاقية وأدبية؛ فهو إن وظف أسلوبًا جازمًا في كل الأحداث التي يسردها، فقد يقع في الخطأ بسبب الوهم والنسيان وضعف الذاكرة، ويُتهم بالكذب، وإن وظف أسلوبًا ممرَّضًا يكثر فيه من الافتراض والاحتمال والتخيل، فإنه قد يُتهم بالكذب أيضًا؛ لأنه يستعمل أسلوبًا مراوغًا لا يرضي القارئ، ولا ينفذ العقد السيرذاتي القاضي بسرد الحقيقة، الذي أبرمه الكاتب معه عندما قرر كتابة سيرته الذاتية.
فما المخرج يا ترى؟!
يمكن للكاتب أن يقدم أحداث سيرته الذاتية أحيانًا بوصفها بحثًا عن الحقيقة، وليس شهادة عليها، فيتحول من موقع الشاهد إلى موقع الباحث، فيقول الكاتب، في سرد عمله في البريد مثلًا: «عندما راجعت أوراقي ووثائقي وجدت أنني ربما بدأت العمل في مصلحة البريد في ذلك العام». فالمراوغة تتحول هنا إلى تواضع معرفي، وهذه ربما تكون مزية سردية.
كما يمكن لكاتب السيرة الذاتية، لمواجهة هذه المشكلة، توظيف تعدد الأصوات في نصه السردي، فيقول مثلًا بصوت الواثق: «ولكن خطاب تعييني في البريد مؤرخ في العام التالي»، ويردفه بصوت المتأمل: «وربما كنت أتمنى حصولي على الوظيفة في البريد في وقت أبكر، إلى درجة أنني نقلته في ذاكرتي إلى وقت أبكر مما ذكرت»، وهكذا…
ومن الأساليب الأخرى التي قد تُخرج الكاتب من هذا المأزق الاعتراف الصريح، في بداية سيرته الذاتية، بأن الأحداث التي يسردها في سيرته ليست سجلًا تاريخيًا دقيقًا لأحداث حياته التي عاشها، بل محاولة لاسترجاع أحداث الحياة التي عاشها وتذكرها، وقد تخونه الذاكرة، وتزين له بعض ما يرويه. ولكن المهم في التعاطي مع هذه الإشكالية في السيرة الذاتية صدق التجربة أكثر من صدق الحدث فقط؛ فأمر العمل في مصلحة البريد، مثلًا، يمكن تحريه بالبحث في الوثائق وخطابات التعيين، لكن التجربة هي التي تعطي الكاتب شعوره الذي شعر به عندما دخل مصلحة البريد لأول مرة. وفي هذا السياق يمكن للكاتب القول مثلًا: «لا أذكر بالتحديد متى التحقت بالعمل في مصلحة البريد، ولكني أذكر جيدًا أكياس الرسائل المتراكمة التي رأيتها في أول يوم التحقت فيه بالبريد، ومدى المسؤولية التي شعرت بها آنذاك تجاه الحرص على أن تصل تلك الرسائل إلى أصحابها».
وبالطبع، هناك طرائق وأساليب أخرى كثيرة ومتنوعة يمكن لكتّاب السيرة الذاتية وكاتباتها ابتكارها وتوظيفها لتجاوز هذه المعضلة السيرذاتية التي تواجههم باستمرار.