«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في مركز «سرد الثقافي» بالرياض، التقت نخبة من المهتمين بمنظومة رأس المال الجريء والاستثمار، في لقاء سعودي - عُماني، بحضور سفير سلطنة عُمان لدى المملكة السيد نجيب بن هلال بن سعود البوسعيدي، والمستشار سيف بن سعيد الشملي، نائب السفير، والعميد الركن راشد بن سالم البلوشي، الملحق العسكري، والمستشار خميس بن خلفان الوهيبي. وكان في استقبالهم عبدالله صالح الحضيف، مدير مركز «سرد الثقافي» بالرياض.
ورغم أن عنوان اللقاء كان اقتصاديًا واستثماريًا، فإن انعقاده في فضاء ثقافي منحه بُعدًا يتجاوز موضوعه المباشر؛ فالعلاقات بين السعودية وسلطنة عُمان لا تُقرأ فقط من خلال الاتفاقيات والمصالح المشتركة، وإنما من خلال رصيد طويل من التاريخ والقيم والصلات الإنسانية، جعل التقارب بين البلدين أقدم من المؤسسات وأعمق من المناسبات.
فبين السعودية وعُمان جسور لم تُبنَ اليوم؛ صنعتها الجغرافيا، ورسّخها التاريخ، وحفظتها الذاكرة. وفي فضاء الجزيرة العربية، تشكلت لكل بلد تجربته الخاصة؛ فالسعودية امتدت بتنوع أقاليمها وتضاريسها وطرقها التاريخية، وحضر في وجدانها الثقل الروحي لمكة المكرمة والمدينة المنورة، بينما صاغت عُمان شخصيتها من تآلف الجبل والبحر والصحراء، ومن تاريخ بحري عريق فتح لها صلات واسعة مع العالم.
ولم يصنع اختلاف المكان قطيعة في القيم؛ فثمة مساحات واسعة من المشترك الإنساني والاجتماعي، تظهر في الكرم، وصلة الرحم، واحترام الكبير، والوفاء، والاعتزاز بالهوية، وحفظ الموروث، والاحتفاء بالضيف، والانفتاح على الآخر.
وهي قيم لا تختصرها الملابس أو الأطعمة أو العادات المتشابهة، بل تمتد إلى طريقة النظر إلى الإنسان والمكان والعائلة والذاكرة؛ وهي طبقة عميقة من القيم التي تمنح العلاقات بين المجتمعات قدرتها على الاستمرار.
ومن هنا تبدو دلالة اختيار «سرد» لاستضافة اللقاء أكبر من مجرد اختيار لمكان؛ فالمركز الذي يجعل من الحكاية مدخلًا إلى فهم الإنسان والمكان، ومن الثقافة مساحة لاحتضان المواهب والفنون، استضاف لقاءً يحمل هو الآخر حكاية عن التقارب بين تجربتين خليجيتين.
وفي هذا السياق، يؤكد عبدالله الحضيف أن الثقافة قادرة على أن تفتح بين الشعبين مساحة إنسانية مشتركة، وأن الحكاية تمنح التقارب لغة تتجاوز البروتوكول؛ إذ لا تكتفي الثقافة باستعادة ما كان، بل تساعد على فهم الحاضر وتهيئة مساحة أرحب للمستقبل.
وهنا يصبح اللقاء أكثر من اجتماع حول رأس المال الجريء؛ فهو نموذج لكيف يمكن للمصالح الاقتصادية أن تلتقي بالثقافة، وأن تتحول المساحات الثقافية إلى أماكن للتعارف والحوار وبناء العلاقات.
وفي الصورة التي يعكسها الموروث العُماني، يحضر هدوء واثق، وتواضع لا ينتقص من الحضور، واعتزاز بالهوية لا يغلق أبواب الانفتاح. وهي ملامح يمكن استقراء جانب منها في علاقة الإنسان العُماني بالبحر والجبل والصحراء، وفي تقديره للضيف والمكان والذاكرة.
ومن البحر جاءت سعة الأفق، ومن الجبل معنى الرسوخ، ومن الصحراء الصبر؛ لكن الأهم من هذه الصور الجغرافية هو ما صنعته التجربة العُمانية من علاقة متوازنة بين الاعتزاز بالجذور والانفتاح على العالم.
وهنا تلتقي التجربة العُمانية مع نظيرتها السعودية في مساحة لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ احترام الموروث مع القدرة على التجدد، والاعتزاز بالهوية مع الانفتاح، والوفاء للماضي مع النظر إلى المستقبل.
لذلك لا تأتي الثقافة هنا بوصفها إطارًا تجميليًا للعلاقات، وإنما باعتبارها أحد مساراتها العميقة؛ فهي لا تلغي خصوصية السعودية ولا خصوصية عُمان، ولا تسعى إلى وضع التجربتين في قالب واحد، بل تتيح لكل منهما أن ترى في الأخرى ما يضيء جانبًا من تجربتها.
وهذه إحدى الدلالات التي يمنحها «سرد» للحكاية: أن تتحول الذاكرة من مادة محفوظة إلى معرفة حية، وأن يصبح المكان الثقافي نقطة التقاء بين الأجيال، وبين الموروث والإبداع، وبين التجربة المحلية والفضاء الأوسع الذي تتحرك فيه اليوم.
وفي النهاية، قد يكون اللقاء قد جمع مهتمين بالاستثمار ورأس المال الجريء، لكنه حمل في خلفيته معنى آخر: أن العلاقات الراسخة لا تُبنى بالمصالح وحدها، وأن الثقافة تستطيع أن تمنحها عمقًا إنسانيًا يجعلها أكثر قربًا واستدامة.