«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
لا تدخل السعودية معرض موسكو الدولي للكتاب 2026 بإصداراتها فقط، بل تفتح عبر الكتاب مسارًا أوسع للتبادل الثقافي مع روسيا: ترجمةً وحوارًا واكتشافًا متبادلًا. وفي الوقت الذي دشّنت فيه المملكة جناحها في الدورة الـ39 من المعرض، كشفت منصة أدبية روسية عن نتائج بحث ترصد حضور الأدب الروسي في الوعي الأدبي السعودي، مؤكدةً أن العلاقة بين الثقافتين تمتد إلى عقود من القراءة والترجمة والتأثر المتبادل.
وأظهر البحث، الذي أجراه مركز «رأي» الوطني لاستطلاعات الرأي بالتعاون مع الجمعية المهنية الأدبية في السعودية، وشمل 875 شخصية أدبية سعودية خلال الفترة من 23 إلى 25 أغسطس، أن 81 في المائة من المشاركين يرون الأدب الروسي واحدًا من الآداب العالمية الرائدة، فيما أفاد 59 في المائة بقراءاتهم أعمالًا لكتاب روس.
وتصدر فيودور دوستويفسكي قائمة الأسماء الروسية الأكثر حضورًا بنسبة 60 في المائة، يليه ليو تولستوي بـ16 في المائة، وأنطون تشيخوف بـ10 في المائة، ونيكولاي غوغول بـ4 في المائة، وألكسندر بوشكين بـ3 في المائة. كما رأى 38 في المائة من المشاركين أن للأدب الروسي تأثيرًا واضحًا في النثر السعودي، مقابل 46 في المائة وصفوه بالمحدود، فيما لم يرَ 16 في المائة منهم تأثيرًا روسيًا.
وتكتسب النتائج دلالتها من توقيتها ومصدرها؛ إذ نشرتها منصة «عام الأدب» الروسية بالتزامن مع معرض موسكو، لتقدم للقارئ الروسي صورة عن حضور كلاسيكياته في الذائقة الأدبية السعودية.
علاقة أدبية تتجاوز المعرض
ولا تبدأ الصلة الأدبية السعودية-الروسية من موسكو 2026؛ ففي عام 1966 تُرجمت رواية حميد دمنهوري «ثمن التضحية» إلى الروسية، وفي عام 2009 صدرت في موسكو أنطولوجيا «خلف الكثبان»، مقدمةً نماذج من الشعر والنثر والمسرح السعودي للقارئ الروسي.
وتكشف هذه المحطات عن مسار أدبي قائم، لكنه لا يزال بحاجة إلى توسيع، خصوصًا في الترجمة المباشرة من العربية إلى الروسية، التي ظلت محدودة، مع اعتماد بعض الترجمات التاريخية على لغات وسيطة.
وهنا تبرز الترجمة بوصفها الحلقة الأهم في المرحلة المقبلة؛ فالمطلوب ألا يصل الكتاب السعودي إلى المعرض فحسب، بل أن يواصل طريقه إلى المكتبات والجامعات والقارئ الروسي بلغته، وأن تتحول اللقاءات بين الناشرين والمترجمين والمبدعين إلى مشاريع مستدامة.
السعودية في المشهد الثقافي الروسي
ويأتي الحضور السعودي ضمن معرض يستضيف أكثر من 300 دار نشر، ويقدم أكثر من 500 فعالية على 13 منصة، فيما تحل الصين ضيف شرف، وتشارك المملكة إلى جانب دول عربية وآسيوية من بينها الإمارات وقطر وسلطنة عُمان وإيران وتركيا والهند وكوريا الشمالية وبيلاروسيا.
وأدرجت السعودية في البرنامج الثقافي للمعرض عبر جلسة «السعودية: بلد التنوع الثقافي» ضمن برنامج «مستقبل الكتاب»، بما يضع التجربة الثقافية السعودية في قلب الحوار الدولي حول الكتاب وصناعة النشر.
كما رصدت «موسكو 24» مشاركة السعودية ضمن الدول الآسيوية والشرق أوسطية التي تقدم إصداراتها في المعرض، فيما أدرجتها «إنترفاكس» ضمن الدول الأجنبية المشاركة في الدورة الحالية.
ويقود هيئة الأدب والنشر والترجمة الجناح السعودي بمشاركة مكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، ومجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية، ودارة الملك عبدالعزيز، ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، والملحقية الثقافية السعودية في تركيا، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن، ومركز الأمير محمد بن سلمان لفن الخط العربي، وإحدى شركات النشر والتوزيع.
ويعكس هذا التنوع اتساع المشهد الثقافي السعودي، حيث تتجاور المكتبة والتاريخ والتراث والنشر والأدب والخط والحوار، فيما يتضمن البرنامج المصاحب ندوات وأمسيات شعرية بمشاركة كتاب ومثقفين سعوديين، تتناول الأدب والنشر والترجمة والحضور الثقافي السعودي دوليًا.
وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز الواصل أن المشاركة تجسد عمق العلاقات الثقافية والتاريخية بين السعودية وروسيا، وتبرز الحراك الأدبي والمعرفي السعودي، وتدعم المبدعين والناشرين، وتفتح فرصًا جديدة للتبادل الثقافي والتعاون في صناعة النشر.
الترجمة.. الجسر إلى القارئ الروسي
وتأتي المشاركة السعودية في وقت يضع فيه معرض موسكو مستقبل الكتاب والترجمة والتعاون الدولي ضمن محاور برنامجه، إلى جانب التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي ومستقبل صناعة النشر.
وفي المقابل، تكشف مواد ثقافية روسية عن محدودية الترجمات المباشرة من العربية إلى الروسية، واعتماد بعض الترجمات التاريخية على لغات وسيطة؛ ما يجعل الترجمة المباشرة مجالًا رئيسًا لتعزيز التعاون بين المؤسسات السعودية والروسية.
فالكتاب لا يصبح حاضرًا في ثقافة أخرى بمجرد عرضه، وإنما حين يُترجم ويُقرأ ويجد ناشرًا وقارئًا. ومن هنا يمكن للمشاركة السعودية أن تتحول من حضور في المعرض إلى شراكات ترجمة ونشر، ومنصة للوصول المباشر إلى السوق الروسية.
ما بعد الجناح
هنا يتحدد الأثر الحقيقي للمشاركة: ليس بعدد العناوين المعروضة أو زوار الجناح، بل بما تنتجه من ترجمات جديدة، وشراكات نشر، وحضور للكاتب السعودي في السوق الروسية.
فالسعودية التي قرأت دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف، تملك اليوم فرصة لأن تُقرأ في روسيا بأصوات أدبائها.
وهنا يقاس نجاح المشاركة: لا بما تعرضه موسكو، بل بما يبقى منها في المكتبة الروسية؛ ترجمةً، ونشرًا، وقارئًا جديدًا.