عشت وإخوتي السبعة في كنف والديّ -رحمهما الله-، في منزلنا في المدينة المنورة، ومنه نهلنا من مدرسة أبي وأمي كل صنوف الخير والمحبة وحسن الخلق، وتعلمنا من سيرتهما ما لا تستطيع الكتب أن تعلمه، ومن مواقفهما ما بقي في نفوسنا أعمق من كل الكلمات.
فقدنا والدتنا أم طلال قبل سبعة أشهر، عشنا تجربة الفراق، غير أنني كنت أرى ذلك الفقد وذاك الحزن في أبي حين قال الشاعر أمين الحجيلي على لسان والدي قصيدة من أبياتها:
أعينُ الخِلّانِ قَرّةُ ليلِها
وعيوني في بقيعِ الغرقدِ
رحمة الله عليكِ مريمُ
كلما حل المساء والغد
في ذلك المنزل كانت مدرستنا الأولى، ومنها عرفنا معنى أن يكون الإنسان كريمًا من غير منّ، رحيما من غير ضعف، عزيز النفس من غير قسوة، وأن يرى الناس بعين واحدة، فلا يفرق بين غني وفقير، ولا بين قريب وجار، تعلمنا أن للجار حرمة، وللفقير حقا، وللضيف مكانة، وأن الكلمة الطيبة ليست مجرد كلام يُقال، وإنما خلق يسكن صاحبه ويظهر في معاملته للناس.
توفي والدي الشيخ عوض بن عبيد الحجيلي قبل أيام، ولم نكن نعرف أن هذا البيت سيعود إلينا يومًا، وأن الكلمات التي قالها أبي في أمي سنرددها بعد وفاته.وأدركنا بعد رحيله أن البيت الذي عشنا فيه لم يكن مجرد منزل صغير، بل كان وطننا الأول، وأن أعظم ما ورثناه من أبي وأمي ليس شيئًا نضعه في أيدينا، وإنما أشياء تسكن فينا: أخلاق، ورحمة، ونبل، ومحبة للناس، كان لأبي دعوة ظلت ترافقني طوال حياتي، حتى كأنها أصبحت جزءا من صوته الذي لا يزال في أذني،كلما حضرت إليه قالها وأنا جالس عنده كان يرددها وحين أستأذنه وأغادر، لا يتركني دون أن يكررها:الله يحفظك... الله يحفظك، وكأن قلب الأب لا يعرف لحظة يطمئن فيها تمامًا على أبنائه، وفي كل مرة كنت أسمعها كنت أظن أنني أسمع دعاءً عاديًا من أب لابنه لكنني اليوم بعد أن غادر أبي أدركت أن بعض الكلمات لا نعرف قيمتها إلا حين نصبح عاجزين عن سماعها، لقد غادر أبو طلال وأم طلال المنزل لكنهما لم يغادرا حياتنا نحن الثمانية، وكل واحد منا يحمل شيئًا منهما كلمة من أبي وحنانًا من أمي، وخلقًا تعلمناه منهما، وذكرى لا تنتهي بانتهاء العمر،رحم الله أبا طلال، ورحم الله أم طلال، وتغمدهما الله بواسع رحمته في الفردوس الأعلى من الجنة.
** **
- د. ذياب بن عوض الحجيلي
@TheyabAlhejaili