د. عبدالحليم موسى
أحيانا لا تأخذنا الحياة إلى المكان الذي خططنا له، بل إلى المكان الذي نكتشف فيه أنفسنا. وقد نغادر طريقا ظنناه مستقبلنا، لا لأننا فشلنا فيه، وإنما لأن أرواحنا كانت تبحث عن طريق آخر أكثر شبها بنا.
هذه هي حكاية وداد.
درست وداد في جامعة الخرطوم، بكلية الزراعة، قسم الاقتصاد الزراعي، ضمن الفرقة 12، ثم خاضت تجربة التدريس، لكنها لم تجد نفسها فيها. كان يمكن أن تعتبر ذلك خيبة، وأن تتمسك بمسار رسمته الشهادة، لكنها اختارت أن تصغي إلى صوتها الداخلي، وأن تبحث عن عمل تشعر فيه بأنها قادرة على العطاء.
كان الناس من حولها يشيدون بطبخها، وربما بدت تلك الكلمات في البداية مجرد مجاملات عابرة، لكنها التقطت منها فكرة غيرت مسار حياتها: لماذا لا تحول هذه المهارة التي أحبها الناس في يديها إلى مصدر دخل؟
بدأت من منزلها بإعداد الأكل البيتي والخبائز، وكانت خالتها عاشة تساعدها في تجهيز الكسرة السودانية؛ وفي يوم سافرت خالتو عاشة، وجدت وداد نفسها أمام خيار بسيط لكنه حاسم: إما أن تتوقف، أو تتعلم.
اختارت أن تتعلم:
جربت وأخطأت وأعادت المحاولة، حتى أتقنت صناعة الكسرة السودانية، وحين عادت خالتو عاشة، كانت المفاجأة أن التلميذة أصبحت معلمة، كما تقول وداد ضاحكة: «لما رجعت خالتو عاشة كنت خلاص بقيت معلمة».
لكن المفاجأة الأكبر كانت في اكتشاف القيمة الاقتصادية لهذه المهارة. فقد وجدت أن إعداد الكسرة السودانية يحتاج لوقت أقل من الطبائخ، بينما يحقق دخلا أفضل، فقررت إعادة توجيه مشروعها، وتفرغت للكسرة والخبائز.
قد تبدو هذه الحكاية قصة مشروع منزلي بسيط، لكنها في عمقها تطرح قضية أكبر تتعلق بعلاقة التعليم بسوق العمل. فقد اعتدنا النظر إلى الشهادة الجامعية باعتبارها الطريق الطبيعي إلى الوظيفة والنجاح، بينما أصبح سوق العمل الحديث أكثر اهتماما بما يستطيع الإنسان أن ينجزه فعليا.
وهنا لا تكمن المشكلة في التعليم الأكاديمي، وإنما في أن يتحول إلى غاية منفصلة عن الحياة. فالشهادة تمنح المعرفة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة النجاح؛ أما المهارة فتمنح المعرفة قدرة على التحول إلى إنتاج وخدمة ومشروع.
لقد مارست وداد، من داخل مطبخها، كثيرا من مبادئ ريادة الأعمال دون أن تحمل بالضرورة مسمياتها الأكاديمية. تعلمت مهارة جديدة عندما غاب من يساعدها، واختبرت السوق، وقارنت بين الوقت والجهد والعائد، ثم غيرت نموذج عملها عندما اكتشفت أن منتجا معينا أكثر جدوى. هذه في جوهرها مهارات التفكير الاقتصادي واتخاذ القرار وإدارة الموارد.
وتشير الاتجاهات الحديثة في سوق العمل إلى تزايد أهمية التفكير التحليلي والمرونة والقدرة على التكيف والإبداع، مع تنامي اهتمام أصحاب العمل بالمهارات والخبرات العملية إلى جانب المؤهلات الأكاديمية.
وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق: ماذا نريد من الجامعة؟
لا ينبغي أن تكون الجامعة مجرد محطة للحصول على شهادة، بل مساحة لاكتشاف المواهب وبناء القدرات وربط المعرفة بالحياة. فالطالب الذي يتخرج حاملا شهادة دون مهارة تطبيقية قد يجد نفسه أمام سوق لا ينتظر أوراقه، بينما يستطيع صاحب المهارة القابلة للتطوير أن يصنع لنفسه فرصة حتى عندما تضيق الوظائف.
ومن هنا تبرز أهمية تجربة وداد؛ فهي لم تترك تخصصها الجامعي وراءها، بل استخدمت ما تعلمته بطريقة مختلفة. فقد درست الاقتصاد الزراعي، ثم مارست في مشروعها الصغير تفكيرا اقتصاديا عمليا: حسبت الوقت، وقارنت الجهد بالعائد، واكتشفت احتياجات السوق، واتخذت قرارا بتغيير المنتج الأكثر جدوى.
وهنا يتحول العلم من مادة في كتاب إلى سلوك في الحياة.
ويقول عالم الإدارة بيتر دراكر: «أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن تصنعه». ووداد بدأت بالفعل في صناعة مستقبلها، لا بانتظار وظيفة جديدة، وإنما باكتشاف ما تستطيع أن تقدمه للآخرين.
ومن أكثر التجارب التصاقا بقصة وداد تجربة الكولونيل هارلاند ساندرز، مؤسس كنتاكي فرايد تشيكن. لم يبدأ ساندرز حياته كرجل أعمال كبير، وإنما بدأت قصته من مهارة أحبها وأتقنها: إعداد الطعام. وفي عام 1930 بدأ تقديم الوجبات للمسافرين في محطة خدمة صغيرة بولاية كنتاكي، ثم أدرك أن الناس يأتون إليه من أجل طعامه، فطور وصفته وطريقة إعداده، وتحولت تلك المهارة البسيطة مع الزمن إلى مشروع وعلامة تجارية عالمية.
وهنا يمكن أن ترى وداد تجربتها من زاوية أبعد؛ فالكسرة والخبائز ليست بالضرورة نهاية مشروعها، بل يمكن أن تكون بدايته. كما تحولت وصفة ساندرز إلى علامة عالمية، يمكن لمهارة وداد أن تصبح نواة لعلامة غذائية سودانية تحمل اسما وهوية، تقدم الكسرة والخبائز والأطعمة السودانية بصورة احترافية، ثم تتوسع مستقبلا إلى مطاعم وفروع خارج السودان.
قد يبدأ المطعم من مطبخ صغير، وقد تبدأ العلامة التجارية من طلبية منزلية، وقد تتحول وصفة محلية إلى منتج يعرفه الناس في مدن مختلفة من العالم. الفرق بين المشروع الصغير والمشروع الكبير ليس دائما في الفكرة الأولى، وإنما في القدرة على تطويرها وحمايتها وتسويقها وبناء هوية حولها.
وهنا تصبح قصة وداد أكثر من حكاية امرأة تركت التدريس واتجهت إلى الطبخ؛ إنها حكاية إنسان اكتشف أن رزقه ربما كان مختبئا في مهارة كان يمارسها ببساطة، ثم أدرك أن تلك المهارة يمكن أن تكون مشروعا.
فالعمل ليس مجرد مصدر للدخل، بل مساحة يشعر فيها الإنسان بقيمته وقدرته على الإنجاز. وربما كان أجمل ما في تجربتها أنها لم تعتبر ابتعادها عن التدريس هزيمة، بل منحَت نفسها فرصة لاكتشاف قدرة أخرى كانت موجودة فيها ولم تكن قد اختبرتها.
إن العالم يتغير، والوظائف نفسها تتغير تحت تأثير التقنية والذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية. ولذلك فإن التعليم الذي لا يمنح الإنسان القدرة على التعلم المستمر والتكيف وتحويل المعرفة إلى مهارة سيتركه أمام مستقبل أكثر صعوبة.
المطلوب ليس أن نضع الشهادة في مواجهة المهارة، فالمجتمعات تحتاج إلى العلم كما تحتاج إلى الخبرة، وإنما أن نعيد التوازن بينهما: علم يفهم الواقع، ومهارة تطبق المعرفة، وتعليم يفتح الطريق أمام الريادة لا انتظار الوظيفة فقط.
لقد بدأت وداد من جامعة الخرطوم، ثم مرت بالتدريس، ثم وصلت إلى مطبخ بيتها، وهناك اكتشفت مسارا جديدا. وربما لا تعرف اليوم إلى أين يمكن أن تصل هذه الخطوة، لكن التاريخ الاقتصادي مليء بمشروعات بدأت صغيرة جدا قبل أن تصبح علامات يعرفها الناس.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أبنائنا وشبابنا ليس فقط: ماذا درست؟ بل: ماذا تستطيع أن تصنع بما درست؟ وما المهارة التي تستطيع أن تحولها إلى قيمة؟
فالمستقبل لن يكون لمن يحمل أعلى شهادة فحسب، بل لمن يستطيع أن يتعلم، ويتكيف، ويبتكر، ويقدم شيئا يحتاجه الناس.
وربما تكون أجمل رسالة في قصة وداد أن بعض الأبواب التي نظنها صغيرة قد تقودنا إلى مستقبل كبير؛ وأن اليد التي تتقن صنعة نافعة قد تكتب أحيانا قصة نجاح تتجاوز حدود الشهادة والوظيفة.