عبدالوهاب الفايز
في الحلقتين السابقتين قلنا إن مشكلة السهر في المجتمع السعودي قضية معقدة متعددة الأبعاد، وإن مواجهتها تحتاج إلى أكثر من مسار للمعالجة؛ لأن آثارها لا تتوقف عند الطالب الذي يدخل فصله مثقل الرأس متعب الجسد ويجر أذيال السهر، وإنما تمتد إلى صحة الإنسان والأسرة والإنتاج والاقتصاد ونمط حياتنا الاجتماعية كله. وقلنا أيضًا إن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية إصلاح هذا الخلل لن يساعدها ولن يقدم الحل؛ فكيف يستطيع الأب والأم ضبط نوم الأبناء وسط مجتمع جعل السهر: أسلوب حياة!
التشخيص لمشكلة السهر يبدو أننا متفقون عليها، ولمست هذا من كثرة الردود على المقالين السابقين. والسؤال الأهم: كيف نتجاوز التشخيص ونمضي في البحث عن الحلول التي تساعد الأسرة عمليًا؟ ربما أمامنا فرصة كبيرة في مجال قد يبدو للوهلة الأولى أنه جزء من المشكلة: إنه الألعاب الإلكترونية! فبدل أن نحارب هواة اللعب في بيوتنا (من يقال لهم: القيمرز)، لماذا لا نجعلهم جزءًا من الحل؟ نقلب التحدي إلى فرصة، كما يقول الإيجابيون.
المملكة اختارت صناعة الألعاب والرياضات الإلكترونية قطاعًا اقتصاديًا واستراتيجيًا للمستقبل، والاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية تستهدف أن تصل مساهمة القطاع المباشرة وغير المباشرة في الناتج المحلي إلى نحو 50 مليار ريال، وأن يوفر 39 ألف فرصة عمل بحلول عام 2030، إلى جانب إنتاج أكثر من 30 لعبة تنافس عالميًا من استوديوهات في المملكة. وهذه ليست أهدافًا لصناعة ترفيه هامشية، بل لبناء قطاع اقتصادي جديد وسلسلة قيمة متكاملة. وإجمالي حجم استثماراتنا في الألعاب يتجاوز 200 مليار ريال.
وهنا يستحق الأمر أن نضيف سؤالًا إلى حسابات العائد الاقتصادي: ما هو العائد الوطني الاجتماعي لهذه الاستثمارات الضخمة؟
لدينا في كل أسرة تقريبًا (قيمر)، وفي كثير من البيوت أصبح انغماس الأطفال باللعب مواجهة متوترة يومية بين الأبناء والوالدين: كم ساعة لعبت؟ متى ستغلق الجهاز؟ لماذا لا تخرج من الغرفة؟ ولماذا لم تنم حتى الآن؟ والمفارقة أننا قد نمتلك داخل المشكلة نفسها جزءًا من الحل.
بدل أن يبقى الطفل أو المراهق وحيدًا في غرفته يمارس اللعب في ساعات ممتدة، يمكن استثمار هذه الهواية وتحويلها إلى نشاط اجتماعي منظم: إطلاق بطولات للرياضات الإلكترونية بين المدارس وبين الأحياء، والمدن.. وغيرها، تبدأ بعد العصر وتنتهي قبل العشاء، وتخصص للهواة من الأطفال والمراهقين، وتدار وفق معايير تراعي العمر، والصحة، ووقت الدراسة، والنوم.
والفكرة ليست جديدة؛ فلدينا بالفعل دوري مدارس للرياضات الإلكترونية. وهذا المسار يمكن توسيعه وتحويله من مجرد منافسات إلى أداة لاستثمار جزء من الوقت الاجتماعي الضائع للأبناء. فنحن هنا لا نضيف ساعات جلوس جديدة أمام الشاشة، بل هو إخراج جزئي من العزلة الفوضوية إلى نشاط اجتماعي منظم له مكان، وموعد، وبداية، ونهاية. هنا قد نكتشف في الطريق مواهب لم نكن نعرفها.
فالطفل الذي نصفه اليوم بأنه (مدمن ألعاب) ربما يكون لديه الاستعداد لأن يصبح مطور ألعاب، أو مصممًا، أو مبرمجًا، أو محترفًا في الرياضات الإلكترونية. وفي كل أسرة تقريبًا يوجد من يعرف تفاصيل الألعاب وشخصياتها وتقنياتها أكثر مما يعرف الكبار عنها، فلماذا لا تتحول هذه المعرفة والهواية، عند الموهوبين، إلى تعليم ومهنة وريادة أعمال؟
وهناك فرصة تربوية أكبر. فالرياضة التقليدية لا تعلم أبناءنا فقط كيف يلعبون؛ بل تُعلمهم الانضباط والعمل الجماعي واحترام المنافس والتعامل الإيجابي الراقي مع الفوز والهزيمة. ويمكن للرياضات الإلكترونية أن تؤدي بعض هذه الوظائف لخدمة هذا الغرض الحضاري. نستطيع أن نجعل من البطولات مجالًا لتعلم أخلاقيات المنافسة، والعمل ضمن الفريق، والالتزام بالوقت، واحترام الخصم، والحوار، وتحمل المسؤولية. والطفل الذي يتعلم كيف يخسر دون أن يسيء إلى منافسه يتعلم درسًا للحياة، وليس درسًا في لعبة فقط.
والأهم أن النشاط الجماعي يساهم في حل واحدة من أخطر المشكلات التي تحدثنا عنها في الحلقة الماضية: عزلة الطفل ليلًا في غرفته. عندما ينتقل جزء من اللعب إلى المدرسة أو النادي أو المركز الرياضية المنتشرة في الأحياء، يصبح الطفل أمام أقرانه ومدربه وفي بيئة معروفة للأسرة. يتحدث ويتفاوض ويختلف ويتعاون ويتعرف على الآخرين، وهذه كلها مهارات اجتماعية لا تنمو جيدًا في الغرف المغلقة. وهذه من الأدوات التي تساعد الأسر.
وفي التجارب الدولية، نجد التجربة الصينية تقدم درسا يوضح أهمية تدخل الحكومات. وليس المقصود استنساخ النموذج الصيني، فلكل مجتمع قيمه وظروفه، لكن الصين أدركت مبكرًا حقيقة مهمة: لا تستطيع أن تترك الأب والأم وحدهما في مواجهة صناعة رقمية عالمية مصممة لجذب المستخدم وإبقائه أطول وقت ممكن.
لذلك نقلت جزءًا من المسؤولية إلى الشركات والمنصات نفسها، وفرضت التحقق من هوية اللاعبين القاصرين وقيودًا على أوقات اللعب، ووضعت متطلبات لإدارة الوقت والإنفاق، ثم شددت القيود في 2021 بحيث أصبح تقديم خدمات الألعاب الإلكترونية للقاصرين محصورًا في ساعة واحدة، من الثامنة إلى التاسعة مساءً، أيام الجمعة والسبت والأحد والعطلات الرسمية.
والأهم من الرقم نفسه هو الفلسفة التي تقف خلفه: حماية وقت الطفل ليست مسؤولية الأسرة وحدها.
وهذا ما نحتاج التعلم منه بما يخدم ظروفنا. نحتاج بناء سياسة وطنية لإدارة الوقت الرقمي للأطفال والمراهقين. سياسة تجعل الأسرة والمدرسة والشركات المطورة والمنصات والجهات التنظيمية شركاء في المسؤولية. وتبحث في التصنيف العمري، والرقابة الأبوية، وساعات الاستخدام، والمشتريات داخل الألعاب، والسلامة الرقمية، وحماية الخصوصية، والتوعية، والأهم توفير البدائل الاجتماعية الجاذبة. وهذا لا يتعارض مع طموحنا الاقتصادي في صناعة الألعاب، بل يحميه. فالصناعة التي تريد أن تصبح جزءًا مستدامًا من الاقتصاد الوطني ينبغي أن تكون أيضًا صناعة مسؤولة ومساهمة في حماية المجتمع.
وهنا نصل إلى الوجه الآخر للقضية. المملكة حققت خلال سنوات قليلة حضورًا عالميًا كبيرًا في الألعاب والرياضات الإلكترونية، وأصبح كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض حدثًا دوليًا ضخمًا. وفي نسخة 2025 شارك ألفا لاعب محترف يمثلون 200 نادٍ من مئة دولة، في 25 بطولة. لكن النجاح في استضافة البطولات والاستثمار في الشركات العالمية ليس نهاية الطريق. النجاح الحقيقي على المدى الطويل هو أن تتكون لدينا (منظومة صناعة): شركات سعودية تنشأ وتكبر، ومطورون ومصممون ومبرمجون سعوديون، وملكية فكرية وطنية، ومنتجات تخرج من الرياض إلى الأسواق العالمية. هذا يحتاج إلى أمور أساسية: بيئة تشريعية تواكب نمو الصناعة السريع، وحماية قوية للملكية الفكرية، وحوافز للشركات الناشئة، وتمويل يناسب مراحل نموها، واستقطاب للمواهب العالمية يرتبط بنقل المعرفة، وحوافز لتسويق المنتجات السعودية خارج المملكة.
والاستراتيجية الوطنية تتضمن 86 مبادرة تنفذها أكثر من 20 جهة حكومية وخاصة، وتشمل التنظيم والتعليم واستقطاب المواهب، والتمويل، والبنية التحتية، والإنتاج. وهذا الاتساع في عدد الجهات يجعل (كفاءة التنسيق والتنفيذ) مسألة لا تقل أهمية عن حجم الاستثمار نفسه. فهذه صناعة لا تتحمل العوائق المعروفة في البيروقراطية الحكومية!
الآن في صناعة الألعاب ربما نجد شركة صغيرة تنتج لعبة تحقق انتشارًا عالميًا خلال أشهر، وتقنية جديدة قد تغير قواعد الصناعة قبل أن تنتهي لجنة من دراسة التقنية السابقة. ولذلك فإن رأس المال وحده لا يكفي. نحتاج إلى إدارة مرنة وسريعة للمنظومة، وإلى بيئة تسمح للمبدع بأن يقضي وقته في صناعة اللعبة وتسويقها، وليس في الدوران بين الإجراءات الحكومية!
والتجربة التركية تستحق الدراسة؛ فقد ساعدت منظومة من الحوافز الضريبية والمنح ودعم الشركات الناشئة على بناء بيئة أصبحت معروفة عالميًا في ألعاب الهاتف المحمول، وخرجت منها شركات حققت نجاحات واستحواذات دولية كبيرة. والدرس ليس أن نقلد تركيا، بل للتأكيد على أن الصناعة الإبداعية تحتاج (منظومة) تجعل الموهبة قادرة على الوصول إلى السوق العالمي.
لقد وضعنا استثمارات ضخمة في هذا القطاع، ولدينا استراتيجية وطنية وطموح عالمي ودعم سياسي استثنائي، وأصبح اسم الرياض حاضرًا في أهم منافسات الرياضات الإلكترونية. المرحلة التالية ينبغي أن تكون مرحلة تعظيم العائد: عائد اقتصادي، وعائد معرفي، وعائد وظيفي، وأيضًا عائد اجتماعي يخدم الأسرة السعودية.
وهنا نعود إلى الطفل والمراهق الذي بدأت من أجله هذه المقالات. هنا لا نريد أن نصنع بطلًا عالميًا في الرياضات الإلكترونية يسهر حتى الفجر ثم يدخل الفصل في السابعة صباحًا مثقل الرأس! ولا نريد أن نعالج عزلة الطفل بزيادة ساعات جلوسه أمام الشاشة. نريد شيئًا أكثر توازنًا وذكاءً: أن نأخذ العالم الرقمي الذي يحبه أبناؤنا، ونضعه داخل إيقاع حياتهم الطبيعية حتى يدعم نموهم، واستقرارهم النفسي والاجتماعي.
حين يلعب الطفل، ويتعلم، ويتنافس، ويقابل أصدقاءه، وتنتهي بطولته قبل العشاء، ثم يعود إلى أسرته ويضع رأسه على الوسادة مبكرا ويأخذ حقه من النوم الذي يهيئه للمدرسة؛ هنا حققنا عائدًا ربما لن يظهر في القوائم المالية لصناعة الألعاب. إنه عائد الاستثمار في الإنسان وفي جودة حياته، وفي استقرار الأسرة.
ويبقى السؤال الأكبر الذي نهرب منه منذ سنوات: ماذا عن بقية المجتمع؟ متى تنام أسواقنا ومطاعمنا ومقاهينا؟ ومتى تنتهي فعالياتنا ومبارياتنا؟ وهل يمكن إعادة هندسة ساعات العمل والتسوق والترفيه بحيث نستعيد شيئًا من سكون الليل الذي فقدناه؟
سيكون حديثنا الممل والمكرر عن هذا الأمر في الحلقة القادمة والخيرة..
نعم الأخيرة لأن الأمر سيكون باليد الأمينة لدى صناع السياسات الحكومية، ومتأكد أنهم لن يخذلونا.