هناك أسئلة لا تُمنع، لكنها لا تُطرح بسهولة. لا يوجد نص قانوني يجرّمها، ولا لائحة تقول إن الاقتراب منها ممنوع، ومع ذلك تحيط بها حساسية تجعل مجرد صياغتها يبدو أحيانًا كأنه تجاوز لحدود غير مكتوبة. وهذا هو معنى «التابو» الذي أقصده هنا: ليس المحظور قانونًا، وإنما السؤال الذي اعتدنا أن نتعامل معه بحذر شديد حتى نسينا أن من حقنا، بل من واجبنا، أن نسأله.
ومن هذه الأسئلة: لماذا تبدو الخبرة المهنية العليا مقبولة بوصفها مدخلًا إلى الجامعة في بعض المهن، بينما تبدو الفكرة نفسها مستغربة أو مستحيلة تقريبًا في مهن أخرى؟
ولأن الطب هو المثال الأكثر وضوحًا، فلنبدأ منه، مع التأكيد منذ البداية أن المسألة ليست مقارنة بين الطبيب والمهندس، ولا محاولة للانتقاص من قيمة أي منهما. القضية أعمق من ذلك بكثير: كيف ينبغي للجامعة أن تنظر إلى الخبرة المهنية عندما تستقطب من سيقف أمام طلابها ويشارك في صناعة معارفهم؟
الطبيب الذي يصل إلى مرتبة الاستشاري يكون قد قطع مسارًا مهنيًا طويلًا وشاقًا. سنوات من الدراسة والتدريب والتخصص والممارسة السريرية، ثم خبرة متراكمة في التعامل مع المرضى والقرارات الطبية والحالات المعقدة. وهذه خبرة لا يمكن اختزالها في شهادة، ولا يمكن للكتب وحدها أن تمنحها لصاحبها.
لكن هنا ينبغي أن نتوقف لحظة.
هل يعني التفوق السريري بالضرورة التفوق البحثي؟
بالطبع لا.
فالقدرة على تشخيص المرض وعلاجه واتخاذ القرار السريري ليست هي القدرة على تصميم دراسة علمية، أو بناء منهجية بحثية، أو تحليل بياناتها، أو إنتاج معرفة جديدة، أو الإشراف على باحثين وقيادة مشروع بحثي. قد تجتمع هذه القدرات كلها في شخص واحد، وهذا هو النموذج المثالي، لكنها ليست شيئًا واحدًا، ولا تنتج إحداها تلقائيًا من الأخرى.
ولهذا لم تتعامل الأنظمة الأكاديمية المتقدمة مع الأمر باعتباره معادلة بسيطة من نوع: «كلما ارتفعت مرتبتك المهنية أصبحت تلقائيًا أكاديميًا أفضل». ففي كليات الطب الأمريكية توجد مسارات أكاديمية مختلفة تتباين فيها التوقعات بين البحث والتدريس والممارسة السريرية؛ لأن الجامعة تدرك أن الوظائف ليست متطابقة حتى وإن اجتمعت تحت المسمى العام نفسه: عضو هيئة تدريس.
وفي بريطانيا، نجد نموذجًا أكثر وضوحًا؛ فبرنامج الزمالة الأكاديمية السريرية التابع لـNIHR صُمم أصلًا لدمج التدريب السريري مع مسار بحثي أكاديمي، مع تخصيص جزء من الوقت للنشاط الأكاديمي والبحثي إلى جانب التدريب السريري. وفي جامعات بحثية كأكسفورد، توجد وظائف تجمع بين الممارسة السريرية والعمل الأكاديمي.
المغزى هنا ليس أن ننسخ تجربة بريطانيا أو أمريكا، وإنما أن نلاحظ الفكرة التي تقف خلفها: الممارسة المهنية والبحث العلمي قيمتان مختلفتان، ويمكن أن تلتقيا في شخص واحد، لكن لا ينبغي أن نفترض أن إحداهما دليل تلقائي على الأخرى.
وهذا بالضبط ما يجعل الاعتراف بالخبرة المهنية العليا داخل الجامعة مفهومًا في الطب، من دون أن يعني ذلك إلغاء قيمة التأهيل البحثي.
بل إن بعض الأطر التنظيمية السعودية نفسها تعكس خصوصية المهن الطبية حين تسمح، في سياقات أكاديمية معينة، بالاستناد إلى التأهيل التخصصي الطبي المتقدم عند التعيين الأكاديمي. وهذه الخصوصية يمكن فهمها بسهولة؛ فالطب مهنة لا تُكتسب كفاءتها الكاملة داخل قاعة المحاضرة، وإنما تتشكل بدرجة كبيرة في المستشفى وغرفة العمليات والعيادة والمختبر، وفي الاحتكاك اليومي بالممارسة الحقيقية.
لكن إذا كان هذا المنطق مفهومًا في الطب، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: لماذا لا نناقش المبدأ نفسه في الهندسة؟
الهندسة، هي الأخرى، ليست كتبًا ومعادلات فقط. المهندس الذي قضى عشرين عامًا في تصميم المنشآت أو تشغيل المصانع أو إدارة مشاريع الطاقة أو تطوير أنظمة التحكم أو العمل في قطاعات البترول والبتروكيماويات والطيران والصناعة، لا يحمل معه مجرد «سنوات خدمة». إنه يحمل معرفة تراكمية لا توجد بالضرورة في المقررات الدراسية، ولا تظهر كاملة في السجل الأكاديمي، ولا يمكن اكتسابها بمجرد قراءة عشرات الكتب.
تخيل أستاذًا يحمل سجلًا بحثيًا ممتازًا، لكنه أمضى سنوات طويلة بعيدًا عن الصناعة والممارسة الفعلية، ثم تخيل مهندسًا آخر أمضى عقدين من الزمن في قلب المشاريع والأنظمة والمصانع والمشكلات الحقيقية.
ثم اسأل: أي الرجلين يملك معرفة أكثر؟
السؤال نفسه ناقص.
فإذا كان المطلوب هو قيادة بحث أصيل، فلدينا معايير أخرى للحكم. وإذا كان المطلوب تدريس أحدث النظريات، فلدينا معايير أخرى. وإذا كان المطلوب نقل خبرة الممارسة إلى الطالب وربط ما يتعلمه بما سيواجهه بعد التخرج، فالمعادلة تتغير مرة أخرى.
وهنا تحديدًا لا نحتاج إلى اختراع فلسفة من العدم. ففي بعض كليات الهندسة الأمريكية توجد بالفعل مسارات أكاديمية مهنية تحت مسميات مثل «Professor of Practice»، تتيح لأصحاب الخبرة التطبيقية العميقة أن يدخلوا البيئة الأكاديمية وفق معايير تختلف عن معايير المسار البحثي، مع التركيز على الخبرة المهنية والتميز في التدريس والقيادة التعليمية. ففي كلية الهندسة والعلوم التطبيقية بجامعة بنسلفانيا، مثلًا، توجد رتب أكاديمية مخصصة لأعضاء هيئة التدريس المهنيين، مع تحديد واضح لنطاق أدوارهم؛ ومن ذلك عدم توليهم الإشراف الرئيس على رسائل الدكتوراه.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن الفكرة هنا ليست استبدال الباحث بالممارس، ولا منح المهندس الخبير صفة الأستاذ لمجرد أنه أمضى سنوات طويلة في المهنة. الفكرة هي الاعتراف بأن الخبرة المهنية نفسها يمكن أن تكون قيمة أكاديمية إذا وُضع لها معيار واضح، وحدود واضحة، ووظيفة واضحة.
والأكثر إثارة أن البيئة المهنية السعودية نفسها تعترف أصلًا بأن الهندسة ليست مرتبة واحدة. فالهيئة السعودية للمهندسين تميز بين درجات مهنية تبدأ بالمهندس وتمتد إلى المهندس المشارك والمهندس المحترف ثم المهندس المستشار، ويُبنى هذا التدرج على المؤهل والخبرة والاختبارات المهنية ومتطلبات الممارسة والتطوير المهني. أي أن المنظومة الهندسية السعودية نفسها تقر بأن الكفاءة المهنية لا تختزل في الدرجة الأكاديمية وحدها، وأن للخبرة والممارسة وزنًا مؤسسيًا يمكن قياسه وتصنيفه.
فلماذا يتوقف هذا الاعتراف عند باب الجامعة؟
ليس المقصود أن يصبح «المهندس المستشار» أستاذًا تلقائيًا، كما أن بلوغ الطبيب مرتبة الاستشاري لا ينبغي أن يُفهم باعتباره شهادة تلقائية على كفاءته البحثية. هذا سيكون مجرد نقل للمشكلة من مكان إلى آخر.
المطلوب شيء أكثر عقلانية: أن تعترف الجامعة بأن هناك معرفة تتولد من الممارسة، وأن بعض هذه المعرفة يمكن أن تكون ذات قيمة تعليمية وعلمية ومهنية عالية، وأن امتلاكها ينبغي أن يكون قابلًا للتقييم بدل أن يُعامل وكأنه خبرة خارجية لا وزن لها إلا إذا تحولت إلى منشورات علمية.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، ولا ينبغي أن تكون مصنعًا للوظائف. الجامعة مؤسسة لإنتاج المعرفة ونقلها وبناء الإنسان القادر على استخدامها.
ومن ثم فإن السؤال الصحيح عند اختيار من يقف أمام الطلاب ليس: هل يحمل هذا الشخص أعلى شهادة ممكنة؟ ولا: هل وصل إلى أعلى رتبة مهنية ممكنة؟ وإنما: ما الذي نريده منه تحديدًا، وما الدليل على أنه يمتلك القدرة على أدائه؟
إذا كان المطلوب منه إنتاج البحث العلمي وقيادة المختبرات والإشراف على الباحثين، فليكن البحث العلمي هو المعيار.
وإذا كان المطلوب منه نقل خبرة سريرية متقدمة إلى طلاب الطب، فلتكن الكفاءة السريرية المتقدمة جزءًا جوهريًا من المعيار.
وإذا كان المطلوب منه أن يربط الطالب بعالم الصناعة والمشروعات والتطبيقات، فليكن عمق الخبرة المهنية معيارًا حقيقيًا، لا مجرد سطر في السيرة الذاتية.
أما إذا أردنا شخصًا يجمع هذه الأدوار كلها، فالأمر أبسط: نبحث عن الدليل على امتلاكه لها جميعًا.
المشكلة تبدأ عندما نحاول اختزال كل هذه الأشكال المختلفة من الكفاءة في معيار واحد، ثم نغضب حين لا ينجح هذا المعيار في وصف الواقع.
ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله الجامعة هو أن تجعل الطريق إلى الأستاذية واحدًا في الشكل، بينما المعرفة التي تحتاج إليها متعددة في طبيعتها.
فالطبيب الاستشاري الذي يدخل الجامعة لا ينبغي أن يُطلب منه أن يتخلى عن مستشفاه حتى يصبح أكاديميًا، كما لا ينبغي أن يُنظر إلى ممارسة المهندس الخبير في الصناعة وكأنها مرحلة انتهت قيمتها بمجرد أن دخل الحرم الجامعي.
الممارسة، إذا كانت منضبطة ومستمرة ومرتبطة بالتعلم والبحث، يمكن أن تكون مصدرًا للأسئلة العلمية، والحالات التعليمية، والشراكات الصناعية، والحلول التطبيقية، بل وربما للأبحاث التي لا يمكن أن تولد داخل الجامعة وحدها.
وهنا يصبح النقاش أكثر عدلًا.
لسنا أمام معركة بين «الأستاذ صاحب الدكتوراه» و»المهني صاحب الخبرة»، ولا أمام دعوة لإلغاء أحدهما لحساب الآخر. نحن أمام سؤال عن نوع المعرفة التي نريد للجامعة أن تحتضنها، وكيف نقيسها بعدل.
وقد يكون السؤال الأصعب هو: هل نريد جامعة تعرف الصناعة من الكتب فقط، أم جامعة يدخل إليها أيضًا من عاش الصناعة وفهم تعقيداتها؟ وهل نريد طبيبًا يعرف البحث فقط، أم طبيبًا يستطيع أن يحول خبرته السريرية إلى معرفة؟ وهل نريد مهندسًا يعرف المعادلة، أم مهندسًا يعرف أيضًا لماذا تفشل المعادلة أحيانًا عندما تصطدم بالواقع؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من العلم، بل تحميه من أن يتحول إلى شكل.
ولذلك فإن القضية الحقيقية ليست أن الأطباء لهم «امتياز» ينبغي انتزاعه، ولا أن المهندسين «مظلومون» وينبغي تعويضهم. تلك قراءة سطحية لقضية أعمق.
القضية هي أن الجامعة تحتاج إلى شجاعة أكبر في تعريف الكفاءة نفسها.
فحين يكون لدينا مهني بلغ قمة مهنته، لا ينبغي أن نسأله فقط: «أين الدكتوراه؟» كما لا ينبغي أن نسأل الباحث فقط: «أين سنوات الممارسة؟». علينا أن نسأل السؤال الذي يسبق كل ذلك:
ما الدور الذي نريده منك داخل الجامعة، وما الأدلة التي تثبت أنك قادر على القيام به؟
وحين تصبح الإجابة هي التي تحدد المسار، لا المسمى ولا الصورة النمطية ولا قوة المهنة اجتماعيًا، نكون قد انتقلنا من منطق الامتيازات إلى منطق الكفاءة.
وربما آن الأوان أن نسأل السؤال الذي طال تأجيله: إذا كان من الممكن أن تحمل قمة الممارسة المهنية الطبيب إلى الجامعة، فلماذا لا نملك المبدأ نفسه للمهندس وسائر المهن التطبيقية، كلٌّ وفق طبيعة مهنته؟
عندها لن يكون السؤال: من الأفضل، الطبيب أم المهندس؟ ولا: الدكتوراه أم الخبرة؟
سيكون السؤال الأهم: ما المعرفة التي تحتاجها الجامعة، ومن يملكها فعلًا؟
وربما عندها فقط يسقط «التابو» الحقيقي:
ليس «تابو» الأطباء، بل «تابو» السؤال نفسه.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري