ربما يعد اختصار الحديث عن صداقة نصف قرن في بضعة أسطرٍ امتهانا لتلك الصداقة، أو ليس عسف تاريخها الحافل في هذه العجالة تشويها لذلك التاريخ وحطا من قدره؟ لكأن ابتسار كتابة تاريخ تلك الصداقة نثر لأشلائها على الورق. راودتني مثل هذه الأفكار قبل شروعي في الكتابة عن صديقي حمد بن محمد العبدلي، فقد ربطتنا صداقة قوية توثقت عراها على مر السنين، وبقيت صامدة أمام تقلبات ظروف الزمان والمكان لما يقارب الخمسين عاما. وكنت أرد على هذه التساؤلات المارقة بأن ما أحاوله ليس وصفا لوقائع تاريخ تلك الصداقة العريقة، وإنما إضفاء هالة من الخلود على ذكراه الطيبة في ذاكرات محبيه، بعد أن أسدل الستار على آخر فصل في حياته العامرة، فقد انتقل حمد إلى رحمة ربه ودفن جثمانه يوم الجمعة 15-3-1448هـ في عنيزة، مسقط رأسه، وقد أوجعني الخبر وإن لم يفاجئني؛ بعض الأحداث قد نتوقع وشك حدوثها، لكنها بالرغم من ذلك تترك ندبة أسى عميق في وجداننا بعد حدوثها، التوقع لا يهب الحصانة! كنت على تواصل معه وتمت آخر محادثتنا قبل يومين من وفاته عليه رحمة الله.
حياتنا تعج بتقاطعات لا تحصى مع حياة الآخرين: قلة نعرفهم، وكثر لا نعرفهم، وأناس نظن أننا نعرفهم، وآخرين لا نريد أن نعرفهم. وبطبيعة الحال فإن درجة المعرفة وعمق العلاقة مع من نعرفهم يعتمدان على الأشخاص الداخلين معنا في تلك العلاقة وعلى ظروفها. أغلب هذه التقاطعات هي عرضية في طبيعتها، وليدة الصدفة، لا إرادة لنا في وقوعها ولا حرية لنا في منعها. كل هذه التقاطعات لا يجمعنا بها إلا تلك النقطة من تقاطع المسارات، وكل مسار يمضي بعدها في وجهته وقد لا يلتقي مع مسارنا بعدها أبدا، إلا أن القليل من تلك المسارات تلتقي مع مسار حياتنا وقد لا يفترقان إلا بما تمليه ظروف الحياة. مسار الصداقة الجيدة هو واحد من أهم المسارات الذي يترك في أنفسنا أثرا عميقا لا تقوى الأيام على محوه، وقد شكلت صداقة حمد واحدا من هذه المسارات.
الصداقة هي من الأشياء القليلة التي نختارها في وجودنا، فأهم ما في وجودنا يحكمه الجبر لا الاختيار، فلا أحد يختار والديه ولا لغته أو وطنه أو أبناءه أو حتى اسمه وشكله وطوله ولون بشرته. ما نختاره يحظى بوجود مميز في وعينا، وما لا نختاره يفرض وجوده علينا ونتفاعل مع الكثير منه بالرضوخ والتأقلم والتكيف والقليل منه بالنبذ والإبعاد.
تبقى الصداقة، تلك الهالة البراقة في وجودنا، متألقة طالما لبت متطلباتنا الوجدانية، لكنها تخفت أو تختفي كليا حينما تتوقف عن القيام بذلك الدور، قلت ذات صبح مشرق (الصداقة الحقة قطار يتناقص ركابه مع رحلة العمر)، في الطفولة كل من يبتسم لنا، كل من يلعب معنا، كل من يتحدث معنا من الأطفال هو صديق. قلوبنا سخية في منح الحب والصداقة صغارا، لكنها تفقد الكثير من ذلك حين تنضجها الحياة في أتونها القاسي، وحين تبلغ الشيخوخة، فستجد أن قطار الصداقة المزدحم بالركاب في الشباب قد أصبح خاويا، وإن حظيت ببقاء واحد أو إثنين فأنت من المحظوظين. ذلك لأن معايير الصداقة تتعقد تدريجا مع رحلة العمر إلى أن يأتي وقت لا نرى فيه العالم إلا من خلال عدسات البراجماتية (النفعية)، فلا صداقات تبقى إلا ببقاء متطلباتها، وفي السياسة لا صداقات دائمة، بل مصالح دائمة، كما قال أحد السياسيين المحنكين. لكن أي صداقة تقوم على المنفعة وحدها هي صداقة زائفة سرعان ما تنهار حيث توجهها رياح المنفعة نحو الوجهة الأنفع.
حين نفقد حبيبا فلا مناص من مرور شريط الذكريات سريعا في وعينا، ولو أن ذلك يزيد لوعتنا اتقادا. وهو شريط لم يمر بعملية مونتاج، تختلط فيه الأزمنة وتفتقد فيه الأماكن الكثير من ملامحها، لكن كل ذلك لا يهم، ما يهم هو بقاء صور الوجوه ناصعة وما تحرضه من تدفق للمشاعر التي لا تفقد وهجها. لا أذكر تحديدا متى عرفت حمد العبدلي لأول مرة لكني أذكر المكان فقد كان في بلومنغتون في أواخر السبعينيات من القرن الماضي. كان حمد حينها طالبا يدرس اللغة وكنت أنا في برنامج الماجستير في الجيولوجيا في جامعة إنديانا. كان لقاءا عابرا غير مخطط له، ولم نكن نعلم حينها أن ذلك اللقاء العرضي سيكون بداية تاريخ صداقة تمتد لما يقارب نصف قرن من الزمان. بعض الصدف تحور مجرى حياتنا أكثر مما يفعله تخطيطنا!
كنا شابين يافعين شغوفين بالحياة نعب من معينها ونرد لها دينها، وكان التصوير الفوتوغرافي هو الهواية المشتركة التي جمعت مسارينا. كنت وقتها أحب التصوير وتعلمت تقنياته عن طريق القراءة، وكانت كتب التصوير تحتل ركنا في مكتبة منزلي في بلومنغتون بإنديانا وما زلت أحتفظ بالكثير منها في مكتبتي بمرات. لكن حمد لم يكن مجرد هاوٍ مثلي وإنما مبتعث لدراسة التصوير الاحترافي، ليغدو بعدها واحدا من أهم المصورين الفوتوغرافيين في المملكة. وبدأت مع حمد في التطبيق الفعلي فعلمني التحميض وطباعة الأفلام في الغرفة المظلمة، وازداد شغفي بالتصوير فاقتنيت وقتها كثيرا من الكاميرات والعدسات ذات الأطوال البؤرية المختلفة المفردة والمتعددة والمصفيات والكماليات، فقد كنت كحمد محبا للتجريب الإبداعي. عشقت التصوير الفوتوغرافي كثيرا وعمقت صداقتي لحمد من ذلك العشق كثيرا، وأتاحت لي الرحلات الحقلية الجيولوجية العديدة في قسم الجيولوجيا في جامعة إنديانا وفي جامعة الملك سعود في الرياض لاحقا فضاءا جديدا لا حدود له لموضوعات صوري. وكانت أمريكا بتعددها الثقافي وجمالها البصري وثرائها الفيزيوغرافي مصدرا ثريا لإبداعاتنا التصويرية، وهناك كثير جدا من الصور التي التقطتها على مدى الثلاثين عاما التي قضيتها في أمريكا مازالت تحتفظ برونقها وكأنما التقطت بالأمس.
انتقل حمد إلى شيكاغو بعد إنهائه لدراسة اللغة، ليبدأ برنامج البكالوريوس في التصوير الضوئي بإحدى الكليات المتخصصة، وتكررت زياراتي لشيكاغو وزياراته لبلومنغتون. كنت أعرف شيكاغو قبل انتقال حمد لها، وقد وقعت في عشقها من أول نظرة. وهي أكبر مدينة في وسط شرق أمريكا وأجملها في نظري بإطلالتها الجميلة على بحيرة ميشيغان أكبر بحيرات (البحيرات العظمى) بمتاحفها الرائعة ومتنزهاتها ومركز المدينة المهيب بأسواقه ومطاعمه ومتاجره.
أذكر أن حمد اختارني لأكون شخصية فيلم يقوم بإخراجه، وهو من متطلبات تخرجه عن (يوم في حياة إنسان)، فصور الفيلم ابتداء من الصباح الباكر مرورا بقسم الجيولوجيا في المختبر ومكتبة القسم ثم كافتيريا الجامعة في (اتحاد الطلاب)، ثم مكتبة الجامعة الهائلة ذات الطوابق الستة، ثم في مكتبي في القسم، فقد كان لي مكتب خاص في مبنى الجيولوجيا الكبير المكون من خمسة أدوار تعج ليل نهار بطلاب الدراسات العليا. لكن لم يقدر لي رؤية الفيلم بعد إتمامه.
بعد تخرجه عاد حمد للمملكة وتزوج، وفتح مؤسسة فنية للتصوير، كما عدت للملكة بعد إنهائي لبرنامج الدكتوراه وتزوجت، وانغمست في حياتي العائلية وفي الجو الأكاديمي والبحث العلمي في قسم الجيولوجيا بجامعة الملك سعود، ولم تنقطع صلتنا، وتوطدت صداقتنا على مدى عشر سنوات. عدت بعدها لأمريكا مع عائلتي معارا من الجامعة للعمل في الملحقية الثقافية في واشنطن لسبع سنوات والتي أكملت فيها زوجتي حصولها على الدكتوراه من الجامعة الأمريكية في واشنطون، وانقطعت صلتنا إلا من زيارة قصيرة له لأمريكا حرص فيها على زيارتنا مع زوجته. انخرط حمد خلاله في العمل الفني وألف كتابا فنيا عن مهرجان الجنادرية مزودا بالصور الجميلة أهداني نسخة منه وقعها مؤرخة في صيف 1998.
كان حمد عاشقاً للتصوير لم يزاول عملا أو مهنة إلا ولها علاقة مباشرة بالتصوير، ويتمتع بحس فني إبداعي جميل، كما كان اجتماعيا متفائلا، محبا للسفر، ولم يبخل علي فنه بطاقته ووقته، فكان متابعا جيدا لمستجداته وتطبيقاته. وقد تطور أسوبه في التصوير على مر السنين، فقد كان في بداياته واقعا تحت تأثير المصور الأمريكي اللامع أنسل آدمز (1902- 1984) المشهور بتصوير المناظر الطبيعية للغرب الأمريكي عالية التفارق، كانت أعماله الكثيرة المنشورة تأسرنا ولا نمل من مناقشتها، إلا أن حمد بعد ذلك آثر أن يختط مساره الخاص في التصوير الذي لم يقتصر على المناظر الطبيعية، فوسعه إلى البورتريه (صورة الوجه) وتصوير الشارع، والتصوير البيئي، والتصوير الوثائقي وغيرها من الموضوعات التجريبية الكثيرة التي استطاع أن يبدع فيها كثيرا، ولكنه لأسفي لم يخرجها في كتاب، على ما أظن، بالرغم من أنني قد ألححت عليه كثيرا في نشر أعماله الإبداعية الفنية، ففي نهاية المطاف لا شيء يخلد إبداع الإنسان كالكتاب.
ومن الذكريات الجميلة أننا قمنا مرة، حمد وأنا وصديقين آخرين، برحلة إلى جزر أرخبيل البهاما، جنوب فلوريدا وشمال كوبا، وقد استمتعنا كثيرا بالأجواء الاستوائية، وكان أكثرها جمالا جزيرة (ترتل كي) التي قضينا فيها أغلب أيام سياحتنا، وهي جزيرة قليلة السكان بها شواطئ خلابة، استأجرنا فيها نزلا صغيرا أشبه بالموتيل، تقدم صاحبته وجبة العشاء كل يوم، في ختام الرحلة زرنا عاصمة البهاما (ناسو) التي كانت أقل الأماكن جاذبية. عدنا من البهاما بكم كبير من الأفلام التي تنتظر التحميض، وكان حمد في غاية السعادة بمخرجات تلك الرحلة الإبداعية.
التصوير في أحد أبهى معانيه، هو تخليد للجمال واحتفاء به، وعين المصور ترى جمالا تعمى عنه أعين كثيرة، لأنها مدربة على البحث عنه، تماما كعين الجيولوجي التي ترى بين الصخور أحافير ومعادن تتجاوزها أعين الآخرين.
رحم الله حمد وغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى، فقد كان عاشقا للجمال شغوفا بالحياة محبا لأصدقائه ومحبيه، غادر الدنيا راضيا قرير العين مخلفا فراغا في قلوب محبيه، لا يملأه إلا ذكراه العاطرة، فها أنا ذا حتى اليوم لا أتأهب لأخذ لقطة بتأنٍ إلا وطيف حمد يلوح أمامي، طيف الشباب بابتسامة عريضة تعلو محياه، تلك هي الصورة الباقية في ذاكرتي لحمد.
وأخيراً أقول: أن الكتابة تغسل الأحزان وتشفي أسقام الروح، ألجأ إليها في كل مرة يعلو صراخ الأسى في داخلي، فتهبني خير بلسم لتقبل صفعات الدنيا. رحل حمد وقبله رحل والداي وشقيقاي علي وصالح، وأحبتي تركي مسلم وفهد الفهيد وآخرهم من أقاربي عبدالله البراهيم السليم، جد أبنائي، وإبراهيم السليم وغيرهم كثير، رحمهم الله جميعا، ونحن على إثرهم سائرون.
خالص عزائي للسيدة الفاضلة زوجته التي بقيت معه لأكثر من ثلاثين عاماً، ولأخيه ولأخته الفاضلة، وكل محبيه.
** **
- د. أحمد عبدالله الأسود