العدوان لا يتغير في جوهره، وإن تغيرت الأزمنة والأمكنة والوجوه والمسميات. وما يتغير غالبًا هو القناع الذي يظهر من خلاله.
ولهذا، فإن قراءة الخطر لا ينبغي أن تتوقف عند الاسم أو الشكل الظاهر، بل تمتد إلى الأفكار والسلوكيات والبيئات التي تنتجه، والقدرات التي يمكن أن تتراكم داخله، وما يمكن أن يصبح عليه مستقبلًا.
ولا يعني ذلك افتراض معرفة ما يجري في الخفاء، أو الجزم بتفاصيل لا تظهر للعلن؛ وإنما قراءة الأفعال والوقائع الظاهرة، وربطها بالبيئة والخبرة والموارد، ثم استنتاج قابلية الخطر للتطور.
صعدة: انحسار الجغرافيا لا يعني انحسار الخطر
تتمثل المعضلة في انحصار الحوثيين داخل جغرافية صعدة المحدودة، بما قد يتيح لهم الوقت والبيئة لإعادة بناء الخبرات والقدرات.
فالانحسار الجغرافي لا يعني بالضرورة زوال الخطر إذا بقيت البيئة التي تسمح بتراكم الموارد والخبرات وإعادة التنظيم.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
استعادة الأرض تعالج السيطرة، لكنها لا تعالج بالضرورة البيئة التي أنتجت المشكلة.
فالمهم ليس فقط أين يوجد العدوان اليوم، بل ما الذي يمكن أن يصبح عليه غدًا إذا بقيت له البيئة والوقت والموارد.
وهنا تتحول صعدة من مجرد جغرافيا للصراع إلى حالة يمكن من خلالها فهم كيفية بقاء الخطر وقابليته لإعادة إنتاج نفسه.
أولًا: الإنسان هو نقطة التحول.
إذا كانت البيئة قادرة على إعادة إنتاج المشكلة، فإن الإنسان هو نقطة التحول الحقيقية.
وهنا تأتي المعرفة المدنية؛ معرفة تعزز التفكير النقدي، واحترام القانون، وتحويل المعرفة إلى سلوك مسؤول وإعمار نافع.
ولا يتعلق الأمر بإنشاء مؤسسات تعليمية تقليدية أو استبدال منظمة بأخرى، بل ببناء بيئة معرفية وثقافية وإعلامية ترفض التضليل والتجهيل والخرافات، وتفتح المجال أمام النشر والإعلام والمشاركة والإنتاج الفكري.
ويشمل ذلك تمكين من غادروا المنطقة من العودة والمساهمة في إعادة بنائها، وحماية حق الإنسان في المعرفة والتعبير، بما يعيد الإنسان إلى مساره الطبيعي في الحياة المدنية.
فالإنسان الذي يمتلك المعرفة ويمارس التفكير ويجد طريقه إلى الحياة المدنية، يصبح أقل قابلية لأن يكون أداة لإعادة إنتاج المشكلة.
ثانيًا: البيئة هي الحاضنة..
لكن الإنسان لا يعيش منفصلًا عن بيئته.
فالبيئة قد تحتضن الأفكار القابلة للنمو إذا بقيت شروطها قائمة، وقد تعيد إنتاج المسارات التي نشأت فيها مهما تغيرت مظاهرها.
وكما تحتضن الأرض مسار نبات الحياة مهما حطمها الموت، فإن البيئة الإنسانية قد تعيد احتضان الأفكار والمسارات التي تجد فيها شروط البقاء والنمو.
لذلك، لا يكفي النظر إلى إزالة مظاهر السيطرة باعتبارها نهاية للمشكلة؛ لأن جذورها قد تبقى في الإنسان والبيئة والمعرفة.
ومن هنا يصبح السؤال أعمق:
هل انتهت المشكلة، أم تغير شكلها فقط؟
ثالثًا: القانون يحمي التحول.
ولا يمكن أن يستقر أي تحول حقيقي من دون سيادة القانون.
فالقانون هو الإطار الذي يحمي المجتمع من عودة التجنيد والتحريض والتمويل والإفلات من المساءلة، ويمنح التحول الاجتماعي والمعرفي فرصة للاستقرار.
كما أن فهم الجغرافيا لا ينفصل عن فهم الإنسان؛ فالجغرافيا تحمل داخلها حركة السكان والأفكار والنفوذ والموارد، ولذلك فإن قراءة الواقع لا ينبغي أن تقتصر على حدوده المكانية، بل على ما يمكن أن ينتقل من داخله إلى خارجه.
ولا تكتمل قراءة الخطر بفهم من ينتجه فقط، بل بفهم البيئة التي تحتضنه، والمصالح التي قد تستفيد من استمراره أو تطوره.
رابعًا: الخطر في قابليته للتطور..
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
إذا بقيت الخبرة والكوادر والموارد والوقت، فإن الخطر لا يظل بالضرورة على صورته الحالية.
قد تتغير الأساليب والخطط والأدوات، وقد ينتقل الخطر من صورة اعتاد الناس رؤيتها إلى صورة أكثر تعقيدًا.
فماذا لو كانت الفرصة القادمة تقنية؟
الخطر ليس فقط فيما نراه، بل في قابلية تطور الأساليب والخطط والأدوات ما دامت الخبرة والكوادر والبيئة المنتجة للمشروع باقية.
وفي دير الزور عبرةٌ لمن يريد أن يُبصر.
وهنا لا تصبح القضية تنبؤًا بالمستقبل، بل قراءة لمقدماته؛ فما يبدأ بقدرة محدودة قد يتحول، مع الوقت والخبرة والموارد، إلى تهديد أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة.
من صعدة إلى مصادر الخطر
ومن هنا تتضح أهمية التتبع المبكر؛ ليس بوصفه إجراءً عملياتيًا، وإنما بوصفه طريقة لفهم مصادر الخطر ومسارات تطوره.
فالمسألة لا تتعلق بصعدة وحدها، بل بما يرتبط بها من مصادر خبرة ودعم وقدرات خارج جغرافيتها.
والارتباط بين الحوثيين والحرس الثوري الإيراني كبير، ولا يمكن التقليل من شأنه عند قراءة مصادر الخطر ومسارات تطوره؛ لأن فهم الخطر يتطلب النظر إلى البيئة التي أنتجته، وكذلك إلى الروابط التي يمكن أن تمده بالخبرة أو الموارد أو الأدوات.
وماذا عن الملف النووي؟
إذا كان الخطر قابلًا لتطوير أدواته، فإن السؤال لا يعود محصورًا في الأدوات التي نعرفها اليوم، بل يمتد إلى طبيعة القدرات التي قد تظهر مستقبلاً، وإلى مدى قدرتنا على تتبعها وفهم مسارها.
ومن هنا لا يبدو الملف النووي الإيراني موضوعًا منفصلًا عن سياق المقال، بل مثالًا أكثر خطورة على مشكلة تتبع القدرات وتقدير ما يمكن أن تؤول إليه.
فعدم إحراز تقدم في الملف النووي الإيراني، وما أثير بشأن صعوبة تتبع مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب في إيران، يظل مؤشرًا مقلقًا جدًا؛ لأنه يزيد صعوبة تقدير مسار التطورات المحتملة.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
ماذا يعني فقدان القدرة على تتبع بعض عناصر القدرة النووية عندما تكون المنطقة أصلًا أمام بيئات تحمل قابلية عالية لتطور التهديد؟
فالعبث تجاوز حدود المعقول، والتهاون في مثل هذه الملفات قد يفتح أبوابًا لا يمكن ضبط نتائجها.
الخطر الذي يجب أن نقرأه قبل ظهوره
المسألة ليست انتظار ظهور الخطر في صورة جديدة حتى نكتشف أنه تغير.
المسألة هي فهم البيئة التي تسمح له بالبقاء، والإنسان الذي يمكن أن يعيد إنتاجه، والخبرة التي يمكن أن تتراكم داخله، والروابط التي قد تمده بما يحتاج إليه، والمصالح التي قد تستفيد من استمراره أو تطوره، ثم قراءة ما تشير إليه الوقائع الظاهرة عن قابليته للتطور.
ولهذا فإن معالجة صعدة لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها استعادة لجغرافيا، وإنما باعتبارها اختبارًا لقدرتنا على فهم الفرق بين إنهاء السيطرة وإنهاء قابلية المشكلة للعودة.
والمطلوب ليس التعميم أو الانتقام، بل أن تكون المعالجة القانونية والمؤسسية متخصصة، وأن تستند إلى الأدلة والمعايير الواضحة، وأن يكون الهدف هو إنهاء مصادر الخطر لا إعادة إنتاجها في صورة أخرى.
الخاتمة
إنهاء سيطرة الحوثيين واستعادة سيادة الدولة لا يكفيان؛ فاستعادة الأرض دون إعادة بناء الإنسان والبيئة تترك جذور المشكلة قائمة.
لذلك، فإن استعادة الدولة تحتاج إلى مسار إعادة تأهيل شامل يعيد الإنسان إلى المعرفة والحياة المدنية، ويجفف منابع التجهيل والتضليل، ويمنع البيئة من إعادة إنتاج المشكلة.
فالعدوان قد يغير قناعه، وقد تتغير أدواته وأساليبه، لكن فهم جذوره وقابلية تطوره هو ما يسمح بقراءة الخطر قبل أن يظهر في صورته الجديدة.
استعادة الأرض تنهي السيطرة؛ أما إعادة بناء الإنسان فتنهي قابلية عودة المشكلة.
** **
- د. فرج وافي الخنفري
faraj.w.m@gmail.com