«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ليس الماضي عند الدكتورة عزيزة عبدالعزيز المانع زمنًا انتهى، ولا الذاكرة صندوقًا لحكايات بعيدة؛ فثمة أزمنة لا تغادر أصحابها، لأنها تظل حاضرة في الأسئلة التي يطرحونها وفي التحولات التي شهدوا بداياتها. ومن هذه الزاوية جاءت أمسيتها في النسخة الثالثة من «صالون الكلمة الثقافي» بالجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة، في حوار أدارته الكاتبة نبيلة محجوب، وحضره جمع كبير من الكتاب والمثقفين والشعراء والسفراء والأكاديميين والإعلاميين، بينهم د. زيد الفضيل، وانتصار العقيل، ومشعل الحارثي، ودلال عزيز ضياء.
كانت المانع تستعيد، عبر الحوار، زمنًا كانت فيه أسئلة التعليم والمرأة والمجتمع تُطرح في فضاء مختلف، بينما كان المجتمع السعودي يخطو خطواته الأولى نحو تحولات واسعة. لكنها لم تتعامل مع تلك المرحلة باعتبارها حكاية من الماضي، بل باعتبارها بداية الطريق إلى حاضر أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
وهنا تكمن قيمة تجربتها؛ فهي لم تراقب التحول من بعيد، وإنما عايشته وكتبته واشتغلت على أسئلته. فمن موقعها الأكاديمي أستاذة سابقة لعلم الاجتماع في جامعة الملك سعود، ومن خلال عملها الثقافي والصحفي، ظلت قريبة من القضايا التي تشكل المجتمع وتعيد صياغة أدواره وعلاقاته.
وكانت الصحافة إحدى أبرز ساحات هذا الاشتباك مع الواقع؛ إذ كتبت في «عكاظ» بين عامي 1994 و2018، متناولة قضايا المرأة والتعليم والمجتمع، لتنتقل بالأسئلة من قاعات الجامعة إلى المجال العام، حيث تصبح الكتابة وسيلة لفهم التحولات ومساءلتها.وفي كتابها «الدولة الحديثة وتحديات تنمية المرأة في المملكة العربية السعودية»، الصادر عام 2023 عن دار مدارك، لا تكتفي المانع بتتبع مسيرة المرأة، بل تضعها داخل صورة أكبر: دولة تتغير، ومؤسسات تتطور، وتعليم يتسع، وأدوار اجتماعية يعاد تعريفها. ومن ثم يصبح السؤال عن المرأة سؤالًا عن المجتمع نفسه: ماذا تقول التحولات التي مرت بها المرأة عن التحول الذي أصاب المجتمع بأكمله؟
وتكشف القراءات التي تناولت الكتاب عن هذا المنحى؛ إذ رآه نجيب يماني متجاوزًا للمعالجة الضيقة لقضية المرأة نحو قراءة أوسع لتحولات المجتمع والدولة، بينما أشار محمد اليامي إلى أن المانع تضع التحيز ضد المرأة في سياق تاريخي وإنساني أرحب، مستحضرة نماذج من الأدب والفلسفة والدين وثقافات مختلفة. وبرز في قراءة أخرى للكتاب الجانب السردي الذي منح المادة الاجتماعية حياة أبعد من اللغة الأكاديمية الجافة.
ثم جاءت في كتابها «عند الرهان تعرف السوابق»، الصادر عام 2025 عن دار مدارك، نقلة أخرى في مشروعها؛ فبدل أن تسأل فقط: كيف تغير المجتمع؟ تطرح سؤالًا أكثر التصاقًا بالناس الذين صنعوا التغيير: من الذين كانوا هناك؟ ومن بقيت أدوارهم خارج التوثيق؟
ومن خلال سيرة الأميرة نورة بنت محمد بن سعود بن عبدالرحمن آل سعود، تفتح المانع ملفًا آخر من الذاكرة الاجتماعية، موثقة تجربة في العمل الاجتماعي والتنموي، ومستعيدة تفاصيل كان كثير منها مهددًا بالبقاء في دائرة الرواية الشفوية والشهادات الشخصية.
وتبدو هنا الكتابة فعل إنقاذ للذاكرة؛ فالمرأة السعودية التي شاركت في التعليم والعمل والخدمة الاجتماعية وصناعة التحول لم تكن دائمًا حاضرة بالقدر نفسه في الوثيقة المكتوبة. ولذلك يصبح التوثيق أكثر من تسجيل للسيرة، فهو محاولة لاسترداد جزء من التاريخ الاجتماعي من النسيان، وتحويل الذاكرة الفردية إلى معرفة يمكن للأجيال الرجوع إليها.وقد جاء الكتاب في خمسة فصول، تليها خاتمة وملحق يضم صورًا ووثائق وأوسمة وشهادات، مستندًا إلى المصادر المتاحة والروايات والشهادات. وهي مهمة لم تكن سهلة في ظل ندرة بعض الوثائق المكتوبة، وما يفرضه الاعتماد على الذاكرة الشفوية من أسئلة التحقق والدقة.
لكن المانع، في جوهر تجربتها، لا تكتب عن التحول بوصفها مؤرخة له من خارج المشهد؛ إنها ابنة مرحلة عاشت أسئلتها، وراقبت انتقالاتها، وكتبت عن تفاصيلها. ولهذا تبدو عودتها إلى الأمس مختلفة عن الحنين المعتاد؛ إنها عودة الباحثة التي تريد أن تفهم الحاضر من جذوره.
بين الغسق والفجر مسافة لا تُقاس بالساعات، وإنما بما يحدث خلالها من تغير. وهذا تحديدًا ما جعل الأمسية أكثر من استعادة لذكريات شخصية؛ فقد بدت رحلة في مجتمع تبدلت فيه خرائط التعليم والعمل، واتسعت فيه مشاركة المرأة، ونمت مؤسساته، وتغيرت أدوار أفراده، وانتقلت الأجيال من أسئلة الأمس إلى طموحات اليوم.
ولم تكن جدة بعيدة عن هذه الحكاية؛ فالمدينة التي تحمل ذاكرة اجتماعية شديدة التنوع، وتاريخًا طويلًا مع التعليم والصحافة والحركة الثقافية، بدت المكان الطبيعي لاستعادة هذه التحولات بأصوات مختلفة، وفي فضاء يجمع المثقف والكاتب والشاعر والإعلامي والدبلوماسي.وفي مستهل الدورة الثالثة من «صالون الكلمة»، قال مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة محمد الصبيح إن الصالون استطاع خلال دوراته السابقة أن يصنع حضورًا مميزًا عبر أمسيات نوعية أثرت المشهد الثقافي، مؤكدًا أن الدورة الجديدة تراهن على تجارب تركت أثرًا وتحمل من المعرفة والخبرة ما يستحق أن يصل إلى الأجيال. وجاء اختيار المانع منسجمًا مع هذه الرؤية؛ لتجربة تمتد بين التعليم والبحث والكتابة والشأن الاجتماعي.وقبل الأمسية، تجول الضيوف في أروقة الجمعية، واطلعوا على المعارض الفنية وقاعات الموسيقى والبرامج الثقافية والفنية، قبل أن تختتم الفعالية بتكريم الدكتورة عزيزة المانع والكاتبة نبيلة محجوب.
هكذا بدت «عزيزة المانع.. بين غسق الذاكرة وفجر التحول» أكثر من عنوان لأمسية؛ إنها خلاصة تجربة امرأة وقفت طويلًا عند منطقة العبور بين زمنين. زمن كانت فيه بعض الأسئلة في بداياتها، وزمن أصبحت فيه الإجابات نفسها بحاجة إلى أسئلة جديدة.فالمجتمع الذي تتحدث عنه المانع لم يتغير دفعة واحدة؛ لقد عبر مسافة طويلة، تراكمت فيها التجارب، واتسعت فيها المعرفة، وتبدلت فيها أدوار النساء والرجال والمؤسسات. وبين غسق الأمس وفجر اليوم، بقيت الذاكرة شاهدة، وبقيت الكتابة وسيلة لفهم الطريق لا للاحتفاء به فقط.