البندقية - وائل العتيبي:
أين تنتهي اللوحة حين يبدأ الفن؟
يبدو السؤال مفتاحًا لقراءة تجربة الفنانة التشكيلية السعودية شاليمار شربتلي، التي لا تتعامل مع اللوحة بوصفها سطحًا ينتهي عند إطاره، بل كفكرة قابلة للعبور إلى فضاءات أخرى.
في «بالاتزو دونا ديل روز» التاريخي في البندقية، تقدم شربتلي، من 3 إلى 18 سبتمبر 2026، خمسة عشر عملًا فنيًا، إلى جانب عمل نحتي جديد يمثل أول تقديم لنموذجها النحتي ضمن مشروع «شالزم»، بالتوازي مع تجربتها في «الفن المتحرك».
تأتي المشاركة ضمن معرض للفن المعاصر المصاحب للدورة الحادية والستين من بينالي فينيسيا الدولي للفنون، في برنامج يلتقي فيه الفن بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الغامرة والموسيقى الحية.
ولا تبدو البندقية في هذه الرحلة مجرد محطة دولية، بل فضاءً جديدًا لاختبار سؤال ظل يتكرر في تجربتها: ماذا يستطيع الفن أن يكون حين يتحرر من حدوده المألوفة؟.
من اللوحة إلى الكتلة
في «شالزم»، لا تغادر شربتلي تجربتها بقدر ما توسع لغتها البصرية؛ فالانتقال إلى النحت يضيف إلى اللون والخط أسئلة الكتلة والفراغ والظل والحركة، ويضع العمل في علاقة مباشرة مع المكان والمتلقي.
من هنا تبدو قيمة التجربة في البحث عن مكان جديد للفن، لا مجرد شكل جديد للعمل الفني.
جدة.. الذاكرة الأولى
ولدت شربتلي ونشأت في جدة، وبدأت الرسم مبكرًا، وأقامت معرضها الأول في القاهرة وهي في السادسة عشرة تقريبًا. درست علم النفس، وحصلت على ماجستير في علم الإجرام، فيما درست والدتها الفنون الجميلة في مصر.
في جدة، المدينة الساحلية التي عاشت طويلًا على إيقاع البحر والتجارة وتعدد الثقافات، تشكل وعي مبكر بالتجاور بين المحلي والعربي والعالمي؛ وهو ما يمكن أن يضيء جانبًا من حساسية تجربتها تجاه الحدود والعبور.
حين غادرت اللوحة الجدار
كان «الفن المتحرك» نقطة تحول بارزة؛ إذ نقلت شربتلي أعمالها إلى السيارات، ومنها «بورشه 911» وسيارات السباق، لتحول المركبة إلى سطح بصري متحرك.
وهنا لم تعد اللوحة تنتظر المتلقي في القاعة؛ بل ذهبت إليه في الشارع.
وقدمت التجربة في فعاليات فنية دولية، من بينها «آرت شوبينغ» في «كاروسيل دو لوفر» بباريس، كما أدرجت دار «أستي بولافي» الإيطالية في تورينو عملها «تورك 2017» ضمن مزاد للفن الحديث والمعاصر.
من الجدار إلى الشارع، تغيرت علاقة العمل بالزمن والمكان والمتلقي؛ فأصبح المرور أمام العمل جزءًا من تجربته.
من الفن إلى المجال العام
كانت شربتلي من الفنانات السعوديات اللواتي دفعن بالفن إلى المجال العام، وكانت أول امرأة تُكلَّف حكوميًا بأعمال فنية في المجال العام بجدة.
اليوم، تبدو تلك التجربة جزءًا من مسار أوسع انتقل فيه الفن السعودي من فضاء القاعات إلى المدينة، ومن الحضور المحلي إلى الحوار العالمي.
وهنا يصبح الفن أكثر من صورة؛ إنه لغة للقوة الناعمة، تنقل إلى العالم ثقافة المكان وخياله وتحولاته.
البندقية.. الفن في عصر الخوارزمية
في البندقية، تلتقي تجربة شربتلي مع سؤال جديد: ماذا يحدث للصورة حين تدخل الخوارزمية إلى صناعتها؟
تشارك إلى جانب ديفي مان وروزا موندي في برنامج يجمع الفن والذكاء الاصطناعي والتجربة الغامرة. وترى أن التكنولوجيا توسع أدوات الفنان، لكنها لا تحل محل الرؤية الإنسانية التي تمنح العمل معناه.
يتضمن البرنامج عروضًا لأفلام الذكاء الاصطناعي، وفعاليات جوائز أفلام وإعلانات الذكاء الاصطناعي، وتجربة «الإطار المضيء»، إلى جانب حفل «ضوء الشفاء» الموسيقي للفنانة لورا ماريا ريديني.
وهنا تبرز مفارقة لافتة: فالفنانة التي حررت اللوحة من الجدار تجد نفسها اليوم أمام زمن يحاول فيه الذكاء الاصطناعي تحرير الصورة من المادة.
البندقية ليست النهاية
تلقت شربتلي دعوات للمشاركة في فعاليات فنية مقبلة في إيطاليا وألبانيا والنمسا، بينها بينالي ألبانيا في ديسمبر 2026، إلى جانب دعوة لتنفيذ عمل فني على جندول إيطالي، ومشاريع تجمع الفن بالتصميم والصناعات الإبداعية.
تتزامن هذه المسارات مع تطوير «شالزم» واستمرار «الفن المتحرك»، بما يوسع التجربة من اللوحة إلى النحت، ومن الجدار إلى الحركة، ومن العمل الفني إلى التصميم والتكنولوجيا.
وترى سماح أبوعوف، المنسق العام لـ«بصمة شاليمار»، أن محطة إيطاليا تمثل بداية لمحطات دولية جديدة، تحمل في كل منها فكرة ومساحة للتواصل بين الفن العربي والمشهد الإبداعي العالمي.
من جدة إلى البندقية، لا تبدو رحلة شاليمار شربتلي بحثًا عن جدار جديد لتعليق اللوحة، بل عن فضاء جديد للفن نفسه.
من اللوحة إلى السيارة، ومن السطح إلى الكتلة، ومن الجدار إلى الشارع، وصولًا إلى التكنولوجيا؛ تتكرر في تجربتها محاولة واحدة: إعادة التفاوض مع حدود العمل الفني.
وربما هنا تكمن الإجابة عن السؤال الأول:
لا تنتهي اللوحة حين تغادر إطارها؛ هناك، ربما، يبدأ الفن.