تُطرح أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وكأنها مسألة تقنية خالصة، وهي في جوهرها مسألة قيم، والقيم لا توجد بمعزل عن مجتمعات تصوغها وثقافات تحملها، ومن هنا تكتسب المواضع التي تُصاغ فيها هذه الأخلاقيات أهميتها، فمن يشارك في وضع القاعدة يختلف حاله عمن يتلقاها مكتملة ويُطالب بالامتثال لها.
وحين اعتمدت الدول الأعضاء في اليونسكو عام 2021م توصية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي تمثل أول معيار عالمي في هذا المجال، أقرت فيها بأن الدول تقف في مراحل مختلفة من الجاهزية، وأن الجاهزية حالة تتبدل بتبدل الظروف، وقد كُلفت المنظمة بتطوير منهجية لقياسها عبر خمسة أبعاد تشمل القانوني والتنظيمي والاجتماعي والثقافي، والاقتصادي، والعلمي والتقني. وقد نفذت هذه المنهجية أو تعمل على تنفيذها أكثر من 70 دولة، أغلبها خارج مراكز إنتاج التقنية.
وفي هذا السياق تأتي استضافة الرياض للنسخة الرابعة من منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026، في أول استضافة عربية لهذه المنصة الدولية، بتنظيم من الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» بالشراكة مع اليونسكو، وبالتنسيق مع اللجنة الوطنية السعودية للتربية والثقافة والعلوم، وبالتعاون مع المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي «ICAIRE» الذي تحتضنه العاصمة الرياض خلال الفترة من 14 إلى 17 سبتمبر، بمشاركة من 194 دولة، وأكثر من 100 متحدث، في أكثر من ثلاثين جلسة وورشة عمل.
ودلالة الاستضافة تتجاوز موقعها الجغرافي إلى ما تمثله من انتقال المنصة إلى منطقة جغرافية لم تكن حاضرة بالقدر الكافي في المراحل الأولية من تأسيس هذه الأطر. وبالتالي فإن المملكة تضطلع بهذا الدور نيابة عن محيطها العربي والإسلامي الواسع، الذي تجمعه منظومة قيمية راسخة تقوم على صون الكرامة الإنسانية وحفظ الخصوصية والعدل في التعامل، وهي قيم تتقاطع مع المبادئ التي قامت عليها التوصية، وتضيف إليها من مرجعيتها ما يثري النقاش العالمي.
ويظهر في محاور المنتدى الأربعة، وهي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته، وبناء القدرات، والابتكار المسؤول، والسياسات الدولية، أن المسألة تتجاوز إعلان المبادئ إلى تحويلها إلى أدوات قابلة للقياس والتطبيق، فالمبدأ الذي يبقى في مستوى الإعلان يحتاج إلى منهجية تحوله إلى مؤشرات قابلة للتطبيق في دائرة العمل المؤسسي.
وتمتلك المملكة من المقومات ما يؤهلها لهذا الدور، فقد بنت منظومة وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وأصدرت مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ووثيقة إطار تبنّيه، واستضافت المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بما يجعل حضورها في هذه المنصة امتداداً لمسار قائم قطعت فيه أشواطاً متقدمة، بما يتسق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في ترسيخ مكانة المملكة شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً.
وسيبقى الأثر الأبعد لهذه الاستضافة فيما تفتحه من باب أمام الإسهام العربي في كتابة المنظومة الأخلاقية للتقنيات الناشئة، وفي أن تُقرأ تجارب المنطقة وقيمها ضمن الأطر التي يحتكم إليها العالم في مستقبله مع الذكاء الاصطناعي.
** **
- م. نادر الشمري
nader.alshammari@hotmail.com