أ.د.صالح معيض الغامدي
أهداني الأستاذ محمد بن زياد الزهراني، قبل مدة، نسخة من كتابه القيّم «أساطير الأولين بين الخيال واليقين: روايات من تراث زهران وغامد (منطقة الباحة)»، وانشغلت عنه حتى نسيته حقيقةً. وقبل يومين، وبينما كنت أبحث في مكتبتي عن كتاب آخر، وجدته، وبدأت قراءته في الحال، فألفيته كتابًا قيّمًا في الأدب الشعبي السردي، يتضمن ثلاثين حكاية شعبية ذات طابع عجائبي، أو أسطوري كما يسميها المؤلف، أبطالها من البشر والجن والسعالي والحيوانات والنمانم… والمقصود بـ«أساطير الأولين» الواردة في العنوان حكايات الآباء والأجداد؛ فكلمة «الأولين» في الباحة تعني مَن عاش من أهلها في الأزمنة القديمة.
كما وجدت أن إحدى حكاياته جاءت بعنوان «سعلية الحبناء»، وقد شكّلت أجواء هذه القصة، أو الحكاية العجائبية، ملمحًا من ملامح طفولتي، وذكّرتني بتجارب سيرذاتية مرتبطة بهذا المكان؛ فالحبناء كانت واديًا زراعيًّا يقع بين جبلين شرقيّ قريتي رغدان، وكان والدي ووالدتي وأفراد حيّنا، رحمهم الله، يحذّروننا، نحن الأطفال، دائمًا من البقاء فيه بعد غروب الشمس؛ لأنه كان «مَوْلِيًّا»، أي تسكنه الجن والسعالي وما شابهها من مخلوقات عجيبة وغريبة.
بل إنني أذكر أن مَن يكبروننا سنًّا كانوا يراهن بعضهم بعضًا على الذهاب إلى «الحبناء» ليلًا، وجلب علامة، أو «مارية»، تثبت وصولهم إلى وسط ذلك الوادي، وربما كنت واحدًا منهم بعد ذلك!
وكان والدي يخبرني دائمًا بقصة حدثت له مع عمه في هذا الوادي، مفادها أنه قيل لهما إن هناك كنزًا مدفونًا في زاوية إحدى مزارعنا، وأبلغتهما سيدة من العارفات بأن بإمكانهما الحصول عليه في وقت محدد، وحذّرتهما من رفع رأسيهما أثناء الحفر حتى يصلا إلى الكنز الذهبي. لكن عمي لم يلتزم بذلك، ورفع رأسه، وقد كانا قريبين من الكنز، فإذا بالجان يصرخون عليهما من خرابة قريبة منهما، فألقيا مساحيهما، وهربا بأقصى سرعة إلى القرية. فلامتهما تلك المرأة العارفة، وذكرت لهما أن الجن قد أنزلوا ذلك الكنز إلى أعماق سحيقة في ذلك المكان، وحمدت الله على عودتهما سالمين!
ومن المفارقات العجيبة أنني أسكن الآن في وادي الحبناء، ولا يبعد بيتي الجديد عن مكان الكنز إلا عشرة أمتار تقريبًا، وأن الحبناء أصبحت الآن من أحدث أحياء قرية رغدان العريقة، وأن الجن قد رحلوا دون رجعة، فيما يبدو…!
وأعود الآن إلى الكتاب الذي ذكّرني بهذه التجارب السيرذاتية التي اختزنتها ذاكرتي، فأقول: إن الكتاب يحتوي، بالإضافة إلى الحكايات الثلاثين، على مقدمة مهمة جاءت بمنزلة مهاد جيد لسرد هذه الحكايات الشعبية العجائبية، نقتطف منها النص الآتي:
«وفي بلاد زهران وغامد، يطغى جنس الجن في رواياتها، والذين يأتون إلى الإنسان في صورة بني آدم، ذكرًا كان أم أنثى، أو حيوانًا، وخصوصًا الكلاب والقطط، ثم السعالي والنمنم. وهي أنواع من المخلوقات تشبه البشر في القامة والمشي، وتختلف كليًّا في الشكل الذي يبعث على الخوف والرعب…».
ويتضمن هذا الكتاب كذلك خاتمة تحليلية قصيرة لهذه الحكايات، أو «الروايا»؛ جمع «رويّة»، كما أعتقد، وليست «الروايات» كما ذكر المؤلف. وقد ذكر فيها أن راوي هذه الحكايات يكون، في الغالب، من الأجداد والجدات، وأن المستهدفين من روايتها هم الأطفال في الغالب؛ لتشويقهم وإثارة روح المغامرة والتحدي فيهم.
ويذكر الصيغة التقليدية التي تبدأ بها هذه الحكايات في الغالب، وهي: «جاكم واحد، ولا واحد إلا الله»، ويطلب الراوي من المتلقين قول: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»؛ حمايةً لهم مما في هذه الحكايات من خيال ومبالغات.
ويشير المؤلف كذلك إلى الأبعاد الفكرية والإبداعية في هذه الحكايات، وإلى بعض الثيمات التي تكررت فيها، مثل الحيل والخداع والأحلام المجنّحة، وإلى قدرتها التطهيرية. ويشير أخيرًا إلى كثرة اتخاذ المنام وسيلة سردية لإنهاء الحكايات وحل عُقَد كثير منها، ويذكر أن الوقت المناسب لسردها على الأطفال هو الليل، قبل النوم!