السموأل محمد إبراهيم
في بعض التعيينات لا يكون الخبر مجرد انتقال اسم إلى موقع، ولا مجرد صدور قرار يضاف إلى سجل القرارات؛ بل يكون الخبر إيذاناً بمرحلة جديدة، وباباً يفتح على أفق أرحب، ومستقبلٍ تتهيأ له ملامحه قبل أن تكتب تفاصيله.
ومن هذا القبيل جاء تعيين صاحب السمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عياف رئيسا لمجلس إدارة جامعة الملك سعود؛ ذلك الصرح العلمي العريق الذي لم يكن يوما جامعة فحسب، بل كان أحد الشواهد الكبرى على مسيرة التعليم والمعرفة في المملكة، وأحد الأسماء التي ارتبط بها تاريخ النهضة العلمية والثقافية في المملكة.
وليس من المبالغة أن يقال إن جامعة الملك سعود قد أُوتيت، بهذا الاختيار، حظا من حسن الطالع؛ إذ تستقبل في مجلس إدارتها عقلا إداريا راجحا، وتجربة أكاديمية ثرية، وقيادة عرفت كيف تجعل من الرؤية واقعا، ومن الطموح إنجازا، ومن الإدارة صناعة للمستقبل. فصاحب السمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عياف ليس غريبا عن ميادين الإدارة والتنمية والتعليم؛ بل هو قيادي تشهد آثاره على قدرته، وتدل بصماته في كل موقعٍ تولاه على أن حضوره كان دائماً حضور إضافة وصناعة أثر.
وقد جمع سموه بين بعد الرؤية وحسن التدبير وبين هدوء القائد وحزم القرار، فكان حيث حل باعثاً على التطوير، وحيث تولى مسؤولية ترك فيها أثراً راسخاً.
ولعل أجمل ما يقال في وصف مسيرته أنه كالغيث؛ أينما هطل نفع، وأينما حل أخصب، وترك في المكان حياة ونماء وأثرا.
ومن هنا، فإن اختيار سموه لرئاسة مجلس إدارة جامعة الملك سعود ليس اختياراً لخبرة إدارية فحسب، بل لقيادة أثبتت أن الرجال الكبار لا تقاس قيمتهم بالمواقع التي يتولونها، وإنما بما يضيفونه إليها وما يتركونه بعدها.
وفي تجربته الطويلة أمينا لمدينة الرياض، رأى الجميع كيف يمكن للإدارة حين تتكئ على الرؤية أن تتحول إلى قوة دافعة للعمران والتنمية، وكيف تستطيع المدينة أن تنمو لا في اتساع شوارعها ومبانيها فحسب، بل في جودة الحياة فيها، وفي حضورها الحضاري، وفي قدرتها على أن تواكب طموحات دولة تتقدم بثقة نحو المستقبل.
ولم تكن تلك الرؤية محكومة بحسابات الحجر والطرق والعمران وحدها، بل كان الإنسان في صميمها؛ إذ أدرك سموه مبكرا أن المدينة لا تقاس بما تشيده من مبانٍ، وإنما بما تمنحه للإنسان من حياة، وأن العمران الحق هو الذي يحسن أن ينزل المدينة من جمود الخرائط إلى دفء الحياة.
ومن هنا برزت في الرياض ملامح أنسنة المدن بوصفها نهجا يتجاوز تحسين المكان إلى جعل المدينة أكثر قرباً من ساكنيها، وأكثر رحابة لحياتهم، وأشد اتصالاً باحتياجاتهم وتطلعاتهم.
لقد كانت الرياض في سنوات قيادته لأمانتها ورشة كبرى للتطوير، ومشهدا متحركا لمدينة تتبدل ملامحها دون أن تفقد روحها؛ وكان حضوره الإداري شاهدا على أن المسؤول الناجح لا يكتفي بأن يدير الواقع، وإنما يستشرف ما ينبغي أن يكون عليه الواقع.
ثم جاءت تجربته في جامعة الأمير سلطان لتكشف جانبا آخر من شخصية الأمير عبد العزيز بن عياف؛ الجانب الذي يلتقي فيه الفكر الإداري والقيادي بالوعي الأكاديمي، والطموح المؤسسي بالمعرفة، والحوكمة بالرؤية المستقبلية.
ففي رئاسته لمجلس إدارة الجامعة، لم تكن التجربة مجرد استمرار لعمل مؤسسي، وإنما كانت ومازلت مسارا من البناء والتطوير والارتقاء، حتى غدت الجامعة نموذجاً لجامعة حديثة تستجيب لمتطلبات العصر، وتنافس في جودة مخرجاتها، وتؤكد أن التعليم العالي حين يجد قيادةً تعرف قيمته، يمكن أن يتحول من مؤسسة تعليمية إلى مشروع وطني لصناعة المستقبل.
وهنا تكمن إحدى أبرز خصال الأمير عبد العزيز بن عياف: أنه لا ينظر إلى المؤسسات باعتبارها هياكل إدارية جامدة، وإنما يراها كائنات حية تحتاج إلى رؤية تحركها، وإدارة تطورها، وقيادة تستخرج أفضل ما فيها.
وما بين الرياض والجامعة، تتضح ملامح مدرسة إدارية واحدة: رؤية بعيدة، وإدارة هادئة، وقرار محسوب، وإيمان عميق بأن التميز لا يأتي مصادفة، وأن المؤسسات الكبيرة لا تصنعها الأسماء الكبيرة وحدها، بل تصنعها العقول التي تعرف كيف تجعل من الإمكان إنجازا، ومن الطموح حقيقة.
ولذلك فإن تولي سموه رئاسة مجلس إدارة جامعة الملك سعود يأتي في لحظة تتطلع فيها الجامعة إلى آفاق جديدة، وتعيش المملكة مرحلة تاريخية عنوانها الاستثمار في الإنسان، وتعظيم أثر المعرفة، وتمكين الجامعات من أن تكون شريكا أصيلا في صناعة الاقتصاد والمجتمع والمستقبل.
وإذا كانت جامعة الملك سعود تحمل إرثا عريقا يمتد لعقود، فإن الإرث العظيم لا يصان بالنظر إلى الماضي وحده، بل بأن يبنى عليه مستقبل أكثر إشراقاً.
وهنا يأتي الأمير عبد العزيز بن عياف؛ بخبرة المدينة، وبصيرة الأكاديمي، وحنكة الإداري، وهدوء القائد الذي يعرف أن أعظم الإنجازات ليست تلك التي تصنع ضجيجاً لحظة ولادتها، وإنما تلك التي يكتشف الناس أثرها بعد سنوات.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذه المناسبة أن جامعة الملك سعود لا تستقبل رئيساً لمجلس إدارتها فحسب، بل تستقبل تجربة إدارية ناضجة، ورؤية أكاديمية واعية، وأميراً خبر ميادين القيادة والتنمية والإدارة والتعليم، وعرف كيف يصنع الفرق في كل موقع ارتبط باسمه.
إنها لحظة تستحق أن يقال فيها : يا لحظ جامعة الملك سعود.
يا لحظها حين يأتيها رجل يحمل من تجربة الرياض اتساع الرؤية، ومن تجربة جامعة الأمير سلطان عمق المعرفة، ومن مسيرته الطويلة خبرة تعرف أن النجاح ليس أمنية، وأن النهضة ليست شعاراً، وأن المؤسسات العريقة تحتاج دائماً إلى من يمنح إرثها حياة جديدة، ومستقبلاً يليق بتاريخها.
فمبارك لجامعة الملك سعود هذا الاختيار، ومبارك لسمو الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد بن عياف هذه الثقة الجديدة؛ وثقة القيادة في رجالها ليست تكريما للماضي فحسب، وإنما تكليف بالمستقبل ولعل الأيام القادمة تحمل للجامعة ما يجعل هذه العبارة أكثر من مجرد بلاغة: يا لحظ جامعة الملك سعود...
حين اجتمعت عراقة المكان مع خبرة الرجل، والتاريخ مع الرؤية، والإرث مع المستقبل.