في الخامس من شهر ربيع الأول عام 1448هـ، رحل الوالد سليمان بن عبدالله البازعي -رحمه الله- بعد حياة مديدة قضى جانباً كبيراً منها في التعليم وإمامة المسجد وخدمة أهل بلدته، إلى جانب ما كان يعنيه له البيت والأسرة. وبرحيله فقدنا أبًا ومربيًا، وفقد كثير من أبناء الربيعية معلّمًا وإمامًا عرفوه عقوداً عديدة، وبقيت ذكراه حاضرة في نفوس من عاشوا معه أو تتلمذوا على يديه.
ولد الوالد ونشأ في زمن كانت فيه حياة القرية بسيطة، وكانت الأسرة والمسجد والكُتّاب هي البيئة التي يتلقى فيها الأبناء تعليمهم وتربيتهم. وكان للبيت الذي نشأ فيه أثر واضح في حياته؛ فوالده الشيخ عبدالله البازعي، المعروف بـ«المطوع» -رحمه الله- كان من أهل العلم والمكانة في زمانه، درس على عدد من مشايخ عصره، وانتُدب للتدريس والإمامة في بلدة الأثلة من قبل الشيخ عبدالله بن بليهد -رحمه الله- ثم عاد إلى بلدته الربيعية، وأمضى فيها عقودًا يعلّم أهلها ويؤمهم ويساعدهم في شؤونهم.
نشأ سليمان قريبًا من والده، يتابع ما يقوم به ويتعلم منه. وتلقى تعليمه الأول في الكُتّاب، فقرأ القرآن وتعلم القراءة والكتابة والحساب، ثم شارك والده في تعليم أبناء البلدة. وربما كان ذلك هو المدخل الطبيعي لمسيرة طويلة ارتبط فيها اسمه بالتعليم.
وعندما افتتحت مدرسة الربيعية الابتدائية عام 1369هـ (1949م)، كان من أوائل العاملين فيها؛ بدأ «وكيل مدرس»، ثم عمل معلّمًا، واستمرت صلته بالمدرسة قرابة أربعة عقود. وهكذا عاش بنفسه الانتقال من الكُتّاب إلى المدرسة النظامية، وأسهم في تعليم أجيال متعاقبة من أبناء بلدته.
ولا يزال بعض طلابه، رغم مرور السنين، يذكرونه ويتحدثون عن مواقف حدثت لهم معه في المدرسة. وهذه الذكريات، في نظري، من أجمل ما يبقى للمعلّم بعد رحيله؛ أن يكبر طلابه، وتتباعد بهم الأيام، ثم تظل لهم معه قصة أو موقف أو كلمة يتذكرونها.
وكان المسجد جانبًا آخر مهمًا من حياته. فقد خلف والده في إمامة جامع الربيعية، وظل يؤم الناس قرابة أربعين عامًا. وخلال هذه المدة تعاقبت أجيال من أهل البلدة على الصلاة خلفه؛ صغار كبروا، وآباء جاء أبناؤهم من بعدهم، حتى أصبح وجوده في المسجد جزءًا مألوفًا من حياة الناس اليومية.
وفي ذلك الزمن لم تكن خدمة الناس مقصورة على الوظيفة. كان أهل القرى يحتاجون إلى من يعرف القراءة والكتابة ويثقون بأمانته. لذلك كان الناس يقصدونه لكتابة بعض عقودهم ومبايعاتهم وديونهم ووصاياهم، كما كان يعقد الأنكحة ويساعد فيما يستطيع من شؤونهم. وهي أعمال سبق أن قام بها والده، ثم واصل الوالد جانبًا منها من بعده.
ولعل هذا يفسر المكانة التي كانت للمعلّم والإمام في القرية آنذاك؛ فلم يكن دوره ينتهي عند باب المدرسة أو المسجد، بل كان قريبًا من تفاصيل حياة الناس، يعرفهم ويعرفونه، ويقصدونه حين يحتاجون إليه.
وكان مجلسه بعد صلاة العصر جزءًا ثابتًا من يومه لسنوات طويلة. يجتمع فيه الأقارب والجيران والأصدقاء ومن يمر به من أهل البلدة، يتحدثون في أخبارهم وشؤونهم، ويسألون عن الغائب، وقد يأتي من يريد مشورة أو مساعدة في أمر من أموره أو كتابة عقد أو مبايعة . وكان الأبناء يتولون خدمة الضيوف، وبقي الوالد حريصًا على هذا المجلس حتى أثقل عليه المرض في سنواته الأخيرة.
ومن الأمور التي تستوقفني كلما تأملت حياته طول الفترة التي عاشها، وحجم التغير الذي مر أمامه. فقد عرف حياة القرية حين كانت وسائل العيش محدودة، والسفر شاقًا، والطرق قليلة، والكهرباء لم تصل بعد إلى البيوت. ثم رأى السيارات في بدايات انتشارها، وشهد شق الطرق ووصول الكهرباء، وانتشار المدارس والمستشفيات، وتطور وسائل الاتصال والنقل والسفر بالطائرات، ثم ما جاءت به العقود الأخيرة من أجهزة وتقنيات غيرت كثيرًا من تفاصيل الحياة.
وعاش التحول نفسه في التعليم؛ بدأ مع الكُتّاب، ثم عمل في المدرسة النظامية، وعاش حتى رأى المدارس والجامعات والتخصصات تنتشر في أنحاء المملكة. وبين الصورة التي عرفها في طفولته وما رآه في أواخر عمره تغيرت أشياء كثيرة يصعب على جيل اليوم أن يتصور أنها حدثت كلها خلال حياة رجل واحد.
ومع ذلك بقي الوالد محتفظًا بكثير من طباع جيله؛ البساطة، وقلة التكلف، والارتباط بالأهل والبلدة، والقيام بالواجب دون حديث كثير عنه. ولم يكن ممن يتحدثون عن أعمالهم أو يستعيدون ما قدموه للناس، بل كان ينظر إلى كثير من ذلك على أنه من الأمور المعتادة التي ينبغي للإنسان أن يقوم بها.
ونحن أبناؤه نعرف منه ما لا يعرفه طلابه أو جماعة المسجد. نعرف الأب في بيته، واهتمامه بأسرته، ومتابعته لأبنائه، وفرحه بهم وبأبنائهم. ومع مرور الأيام بعد رحيله، تتضح لنا قيمة أشياء كنا نراها عادية بحكم وجودها الدائم معنا. فالإنسان لا يعرف دائمًا مقدار ما يعنيه حضور الأب في البيت إلا عندما يغيب.
ولهذا يصعب أن تختصر حياة الأب في تواريخ وأعمال. هناك أشياء لا تدخل في السيرة المكتوبة، لكنها تبقى في ذاكرة أبنائه: صوته، ومجلسه، وطريقته في استقبال الناس، وموقف أو نصيحة، والمكان الذي اعتاد الجلوس فيه. تفاصيل صغيرة، لكنها بعد الرحيل تصبح جزءًا عزيزًا من الذاكرة.
هذه بعض سيرة الوالد سليمان بن عبدالله البازعي -رحمه الله- كما عرفناه وكما عرفه أهل بلدته: معلّمًا، وإمامًا، وأبًا، ورجلًا عاش زمنًا طويلًا من التحولات، وأدى ما استطاع من واجبه بهدوء، ثم رحل وبقيت آثاره في أسرته وطلابه وفي ذاكرة من عرفه.
رحم الله الوالد رحمة واسعة، وغفر له، وجزاه عن والديه وأسرته وطلابه وأهل بلدته خير الجزاء. ونسأل الله أن يجعل ما علّمه من علم، وما أمّ فيه الناس من صلاة، وما أعان به من قصدوه، وما تركه من ذرية تدعو له، في ميزان حسناته.
رحمك الله يا والدي؛ غبت عن العين، وبقي من سيرتك وذكراك فينا ما لا تغيب به الأيام.
** **
حمد بن سليمان البازعي - نائب وزير المالية «سابقاً»