قد تتوقف شركة سيارات عملاقة، يعمل فيها آلاف الموظفين وتبلغ استثماراتها مليارات الدولارات، بسبب قطعة إلكترونية لا يتجاوز حجمها بضعة سنتيمترات. وقد يتأخر إنتاج هاتف أو طائرة أو جهاز طبي للسبب نفسه. هذه القطعة الصغيرة هي الرقائق الإلكترونية المصنوعة من أشباه الموصلات، التي تحولت خلال سنوات قليلة من مكوّن تقني لا يعرفه سوى المتخصصين إلى واحدة من أهم أدوات القوة الاقتصادية في العالم.
ببساطة، أشباه الموصلات هي الأساس الذي تقوم عليه صناعة الرقائق الإلكترونية، وهي اليوم موجودة في كل شيء تقريبًا؛ من الهواتف والحواسيب والسيارات إلى المصانع والطائرات والأقمار الصناعية والأجهزة الطبية ومراكز البيانات. ومع الانفجار الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ازدادت أهميتها بصورة غير مسبوقة، لأن الذكاء الاصطناعي في النهاية يحتاج إلى قوة حاسوبية هائلة، وهذه القوة لا تتحقق من دون الرقائق المتقدمة.
وقد أدرك العالم خطورة الاعتماد عليها عندما ضربت أزمة نقص الرقائق سلاسل الإمداد بعد جائحة كورونا. مصانع سيارات امتلكت العمال والمعدات والحديد والمحركات، لكنها لم تستطع إكمال سياراتها بسبب نقص شرائح إلكترونية صغيرة. عندها اكتشف العالم أن الاقتصاد الرقمي والصناعي الحديث يمكن أن يتعطل بسبب مكوّن بالغ الصغر.
لكن أهمية أشباه الموصلات اليوم لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت قضية أمن قومي وصراع نفوذ بين القوى الكبرى.
تايوان، الجزيرة الصغيرة في شرق آسيا، تحتل موقعًا استثنائيًا في هذه المعادلة، لوجود شركة TSMC، العملاق العالمي في تصنيع الرقائق المتقدمة. وفي الجانب الآخر توجد الولايات المتحدة بثقلها الهائل في تصميم الرقائق والتقنيات والبرمجيات والمعدات المرتبطة بها، بينما تضخ الصين استثمارات ضخمة لبناء صناعة محلية تقلل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.
وهنا يمكن فهم جانب مهم من الصراع الاقتصادي بين واشنطن وبكين. فالقيود الأمريكية على وصول الصين إلى بعض الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها ليست مجرد حرب تجارية، وإنما محاولة للمحافظة على التفوق في أكثر التقنيات تأثيرًا في المستقبل. والصين بدورها تدرك أن الاستقلال في صناعة الرقائق لم يعد خيارًا اقتصاديًا، بل ضرورة استراتيجية.
لقد كان النفط خلال القرن الماضي شريان الصناعة والنقل والاقتصاد العالمي، ولذلك امتلكت الدول المنتجة له وزنًا استراتيجيًا كبيرًا. أما اليوم، فإن العالم يدخل مرحلة تصبح فيها القدرة على إنتاج ومعالجة البيانات والذكاء الاصطناعي عنصرًا جديدًا للقوة، وأشباه الموصلات هي القلب الذي يحرك هذه المنظومة.
من هنا تبرز أمام السعودية فرصة تستحق الاهتمام. فالمملكة تمتلك الطاقة ورأس المال والسوق، وتستثمر بقوة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات المتقدمة. ولا يعني دخول صناعة أشباه الموصلات أن نبدأ ببناء أكثر المصانع تعقيدًا في العالم، بل يمكن بناء منظومة متدرجة تبدأ بتصميم الرقائق والبحث والتطوير والتجميع والاختبار واستقطاب الشركات والكفاءات العالمية، وصولًا إلى مراحل أكثر تقدمًا.
العالم لم يعد يتنافس فقط على آبار النفط ومصادر الطاقة، بل على المصانع والعقول والرقائق التي ستشغّل اقتصاد المستقبل.
وإذا كان النفط قد حرّك اقتصاد القرن العشرين، فإن أشباه الموصلات قد تكون نفط القرن الحادي والعشرين.
** **
- عبدالله صالح الشماسي