في العمل الإداري هناك صورة شائعة عن المدير الناجح: يسمع المشكلة، يفكر قليلًا، ثم يتخذ القرار. وكلما كان أسرع في الحسم، بدا أكثر ثقة وقدرة على القيادة.
لكن التجربة تقول إن الأمر ليس بهذه البساطة.
بعض القرارات التي تبدو واضحة في الاجتماع تتغير تمامًا عندما تبدأ في البحث عن التفاصيل. رقم مرتفع قد يخفي خلفه سببًا مؤقتًا، وتراجع أحد المؤشرات قد يكون مرتبطًا بطريقة القياس نفسها، ومشكلة يصفها الجميع بأنها «واضحة» قد تكتشف لاحقًا أن لكل طرف تفسيرًا مختلفًا لها.
وهنا تحديدًا يصبح اتخاذ القرار أصعب.
في أحد الاجتماعات قد يعرض أمامك مؤشر متراجع، ويبدأ النقاش مباشرة حول الحلول: نغير الإجراء، نزيد الموارد، نحاسب المسؤول، أو نضع خطة تصحيحية. وفي خضم الرغبة في حل المشكلة قد ننسى سؤالًا بسيطًا: هل عرفنا أصلًا لماذا تراجع المؤشر؟
مررت بمواقف كان القرار فيها يبدو واضحًا في بدايته، لكن طلب معلومة إضافية واحدة غيّر اتجاه النقاش بالكامل. ليس لأن البيانات الأولى كانت خاطئة، بل لأنها لم تكن تحكي القصة كاملة.
وهذا في رأيي أحد الفروق المهمة بين الإدارة وصناعة القرار.
المدير لا يحتاج دائمًا إلى معلومات أكثر، بل يحتاج أن يعرف متى تكون المعلومات الموجودة كافية، ومتى يكون النقص فيها مؤثرًا إلى درجة تجعل الانتظار أفضل من قرار قد يكلف المنظمة وقتًا ومالًا.
المفارقة أننا نعيش اليوم في زمن لا تنقصنا فيه البيانات. أمام المدير تقارير أسبوعية وشهرية، ولوحات مؤشرات، ونسب أداء، ومقارنات لا تنتهي. ومع ذلك، قد نتخذ قرارًا ضعيفًا ونحن نملك عشرات الأرقام.
المشكلة أن الرقم يخبرنا بما حدث، لكنه لا يخبرنا دائمًا لماذا حدث؟.
ارتفاع الإنتاجية مثلًا لا يعني بالضرورة تحسن الأداء، كما أن انخفاضها لا يعني بالضرورة وجود تقصير. قد تكون هناك عوامل موسمية، أو تغير في حجم الطلب، أو حتى مشكلة في تعريف المؤشر نفسه. لذلك فإن قراءة الرقم دون سياقه قد تكون أحيانًا أكثر تضليلًا من عدم وجود الرقم.
في المقابل، لا يمكن أن نستخدم نقص المعلومات عذرًا لتأجيل كل شيء. هناك مواقف لا تمنحك رفاهية الانتظار، وتصبح تكلفة عدم اتخاذ القرار أعلى من احتمال اتخاذ قرار غير مثالي. هنا تظهر الخبرة والحكم الشخصي والقدرة على تحمل المسؤولية.
لهذا أصبحت أرى أن الحسم ليس في أن تقول «نعم» أو «لا» بسرعة.
أحيانًا يكون أكثر القرارات نضجًا أن تقول: أعطوني معلومة أخرى قبل أن نقرر.
وأحيانًا يكون القرار الصحيح أن تقول: المعلومات لن تكتمل، وهذا ما نعرفه الآن، فلنتحرك.
معرفة الفرق بين الموقفين ربما تكون واحدة من أصعب مهارات القيادة.
فالقرار الجيد ليس الأسرع دائمًا، وليس الأكثر اعتمادًا على الأرقام، وليس حتى القرار الذي ينجح في كل مرة.
أحيانًا يكفي أن يكون قرارًا اتُخذ بعد أن سألنا السؤال الصحيح، وفهمنا ما نعرفه وما لا نعرفه، ثم تحملنا مسؤوليته.
وهذا، في رأيي، أقرب إلى القيادة من مجرد سرعة الحسم.
** **
- د. محمد العقل