عبدالوهاب الفايز
أثناء كتابة هذا المقال وصلتني دعوة لحضور الملتقى العلمي العالمي الثالث الذي تنظمه الجمعية الخيرية للمتعافين من المخدرات والمؤثرات العقلية (تعافي)، تحت شعار (الأسرة في مواجهة الإدمان)، والمقرر عقده في 30 سبتمبر الجاري في الدمام. جاءت الدعوة في التوقيت المناسب؛ لقد أعادتني إلى السؤال الذي بدأت منه هذه السلسلة: سهر الأطفال.. هل هناك من يهتم؟ ولعلنا وجدنا من يهتم!
إذا لدينا مؤسسات أهلية متخصصة تساعد الأسرة على مواجهة أنماط الإدمان المختلفة، فلماذا لا نفكر في جهد أهلي منظم يواجه متلازمة الإفراط في السهر، بعدما تحول عند شريحة واسعة من المجتمع إلى (نمط حياة) يصعب الفكاك منه رغم معرفة أضرار الإدمان عليه؟
وهنا نجد الفرصة لدعوة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف، أمير المنطقة الشرقية، الرئيس الفخري الراعي لجمعية تعافي، إلى دعم إنشاء جمعية أهلية متخصصة تُعنى بثقافة النوم الصحي، وتحفز الجهود الحكومية والأهلية عبر (المناصحة وكسب التأييد) للحد من السهر المفرط، ولعل أولى مبادراتها تكون ملتقى وطني تحت عنوان: (الأسرة في مواجهة إدمان السهر).
وسمو الأمير سعود قاد مبادرات نوعية سابقة حيث تبنى جمعية السلامة والمرورية وجمعية الذوق العام.. وغيرها ذات الاثر الممتد في جميع مناطق بلادنا. والمنطقة الشرقية هي الأحوج لمقاومة السهر بحكم طبيعة النشاط الصناعي الواسع بالذات صناعة الطاقة التي تتطلب نمط حياة صارم في إدارة الوقت.
الأمر الإيجابي أن في بلادنا من يهتم ويبادر بالذات إذا كان الأمر يمس استقرار الأسرة السعودية ودعم تماسك وقوة الجبهة الداخلية، بالذات في عالم اليوم المضطرب حيث الدول الفاشلة والمحاربة والمتآمرة.
وهذا مناط الحاجة لاطلاق جمعية أهلية تحمل هموم الأسرة السعودية مع السهر. وأجزم أن أمراء المناطق هم أكثر من يعاني من تمدد السهر، وفي تقارير الوقوعات الأمنية التي تصلهم ربما يلاحظون أن المخالفات والمشاكل الأمنية أغلبها في الليل. والآن مع توسع النشاط التجاري والترفيهي، فالتحديات الأمنية أعظم.
تمدد ساعات العمل أصبح مشكلة شرسة، فالسهر الذ يجعل الأسرة غير قادرة على ضبط نوم أبنائها يأخذنا إلى قضية وجودية تحتاج جهد المجتمع الأهلي للتصدي لها وطرحها بكل تبعاتها وتحدياتها أمام ولي الأمر. فبقاء الأسواق والمطاعم والمقاهي وبعض الأنشطة الترفيهية مفتوحة إلى ساعات متأخرة، بينما تبدأ المدرسة والعمل في الصباح الباكر، هذا أمر يصعب تجاهله.
والمشكلة سوف تتعمق وتتشعب كلما توسع النشاط التجاري والترفيهي واتسعت مغريات السهر.
الآن دخل على القائمة ظاهرة الزحمه على أفلام السينماء التي تبدأ بعد منتصف الليل. كذلك توسعت التحديات المهددات للصحة وللأمن، مع السماح لعمل (المقاهي ولاونجات المعسلات) حتى صلاة الفجر. وهنا نطرح السؤال الجوهري: أين تقع صحة الإنسان والأسرة من توسع هذا النشاط، وهل تستحق المكتسبات الاقتصادية التي نجنيها من ساعات التشغيل المتأخرة التضحية بإثرها السلبي على الاسرة وعادات النوم والصحة والحياة الأسرية؟ ولماذا لا نستثمر الآلية التي أوجدتها الحكومة؟
لقد وضعت الحكومة مبدأ تنظيمي لتعزيز الصحة العامة، وهذا كان نقلة نوعية في التنظيم والإحساس في المسؤولية والتي يشكر عليها ولي الأمر. فقد جعل صحة المواطنين ليس مجرد شعار. فهناك مسار نظامي واضح مبني على أمر سامي بإعطاء الصحة العامة أولوية في الأنظمة والتشريعات لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وصدر أمر سامي بتشكيل لجنة وزارية لـ(الصحة في كل السياسات). وفي عام 2021 أصدر مجلس الوزراء قرارا عدّل الضوابط الخاصة بإعداد مشروعات الأنظمة واللوائح، بحيث أصبح مطلوبًا بيان (الآثار الاجتماعية والصحية) المتوقعة لتطبيق الأنظمة، إلى جانب تقصي الآثار المالية والاقتصادية والوظيفية.
هذا المبدأ جعل توخي الاثار الصحة أمراً أساسياً يدخل بالتعليم والعمل والنقل والبيئة الحضرية وأنماط الحياة. وإذا كنا نريد تحويل هذا المبدأ من مفهوم إلى ممارسة، فمن الطبيعي أن نسأل عن الأثر الصحي والاجتماعي للسياسات التي تعيد تشكيل أوضاع النوم في المجتمع. (ماذا أنجزت اللجنة بهذا الخصوص؟!)
ولا تعني هذه الدعوة إلى غلق حياتنا، ولا العودة عن مكتسبات الانفتاح الاقتصادي والسياحي والترفيهي. هناك مستشفيات ومطارات وصيدليات وفنادق وخدمات أساسية تحتاج إلى العمل على مدار الساعة، وهناك خصوصية لمكة والمدينة والمواسم والمناطق السياحية. لكن الاستثناء شيء، وتحول النشاط التجاري الممتد إلى ساعات متأخرة إلى قاعدة عامة تعيد تشكيل حياة المجتمع شيء آخر.
فالمدينة التي تظل مستيقظة حتى ساعات متأخرة لا تُبقي أبواب المحلات مفتوحة فقط. فالسهر يطال العاملين في المحلات والمركبات وخدمات التوصيل، وتستمر الإنارة والتكييف واستهلاك المياه، وجمع النفايات، وأعمال النظافة والرقابة والخدمات البلدية، كما تستمر الحاجة إلى الأمن والمرور والطوارئ. وعندما يتحول السهر من اختيار فردي إلى نمط اجتماعي واسع، تصبح له تكلفة عامة. وهذه التكلفة الكلية - رغم أهمية معرفتها - لم أجد دراسات تقدر حجمها.
ولهذا يمكن أن تكون من أولى مشروعات الجمعية المقترحة دراسة علمية لمعرفة (تكلفة الساعات المتأخرة للنشاط التجاري). ماهي القيمة الاقتصادية الإضافية الحقيقية التي تنتجها الساعات المتأخرة، وما تكلفتها في الطاقة والمياه والعمالة والمرور والخدمات العامة والصحة والأسرة؟
وقد يكون السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية: هل المحلات المتأخرة تربح فعلًا، وهل الشراء انتقل إلى وقت متأخر دون حاجة ماسة؟ فالأسرة التي اشترت حاجاتها في الحادية عشرة مساء ممكن تشتريها في النهار. فإذا كان التسوق الليلي هو مجرد إعادة توزيع للتسوق على ساعات أطول، هنا يصبح من الضروري معرفة التكلفة المقارنة بين عائد التسوق المتأخر والتكلفة الإضافية الإجمالية على الاسرة والصحه والأمن. حاليا لا احد يعرف الإجابة، وهذا تحديدًا سبب الحاجة إلى الدراسة العلمية الموضوعية، وهذه ممكنة.
لدينا اليوم بيانات المدفوعات الإلكترونية والعدادات الذكية وبيانات حركة المرور والطاقة والمياه وخدمات التوصيل والتراخيص البلدية، وهي تتيح قراءة إيقاع المدينة ساعة بساعة. ويمكن للجمعية المقترحة بالتعاون مع الجامعات والجهات المختصة الدفع باتجاه دراسة وطنية لـ(اقتصاديات السهر)، لقياس بعد العاشرة مساءً: حجم المبيعات، واستهلاك الطاقة والمياه، وتكلفة الامن، وحركة المركبات، وساعات العمل، وأثر ذلك في نوم العاملين وأسرهم.
وقد نكتشف أن بعض الأنشطة تحقق قيمة اقتصادية حقيقية تستحق ساعاتها الممتدة، بينما تعمل أنشطة أخرى ساعات إضافية بعائد ربح هامش محدود، وقد تكون احد مصادر غسيل الأموال وتدار عبر التستر التجاري. عندها لا نحتاج إلى ساعة إغلاق موحدة لكل النشطة، وإنما إلى (تنظيم أكثر ذكاءً وإدارة) للوقت يراعي طبيعة النشاط والمدينة والموسم والحاجة الاقتصادية. طبعا قد يصعب القياس الكمي لمعرفة التكلفة الأكثر أهمية والممتدة إلى الأسرة والمجتمع.
وساعات العمل الممتدة مازالت من العوامل الطارد في سوق العمل للسعوديين؛ فهناك الاب الذي لديه مسؤوليات أسرية، أو الأبناء الذين يعيشون مع والديهم من كبار السن، وغيرها من الحالات الانسانية. كذلك عندما تصبح ساعات العمل المتأخرة شائعة فنحن لا نمدد زمن البيع والشراء فقط، بل نعيد تشكيل الساعة الاجتماعية للأسرة بالذات غياب (مائدة العائلة).
في ظل غياب الفهم العلمي المنهجي للأمور لم نقدر خطورة غياب ساعة مائدة العائلة بعد المغرب والتي كانت تجمع في كثير من البيوت أفراد الأسرة، وأحيانًا ثلاثة أجيال. ليست المسألة هنا حنينًا إلى ملامح الزمن الجميل، فالمجتمع يتغير، لكن مائدة الأسرة كانت تمثل (زمنًا مشتركًا) يجتمع فيه الجد والأب والأم والأبناء، ويتبادلون الحديث عن يومهم، وتنتقل من خلاله الخبرة والقيم بين الأجيال. ومع اختلاف ساعات العمل والدراسة والترفيه والطعام، قد لا نفقد موعد العشاء فقط، بل نفقد جزءًا من الزمن الذي كانت تُبنى فيه العلاقات الأسرية.
وهنا تحديدًا يأتي دور المجتمع الأهلي في صنع السياسات. من الامور التي تعكس حيوية المجتمع السعودي في العقود الماضية تشجيع الحكومة للجمعيات الاهلية لتقديم مشاريع قرارات وتنظيمات على المستوى الوطني في نطاق تخصصها واهتماماتها.
الذي أتذكره، هناك أكثر من عشرين تنظيما وطنيا أجازها مجلس الوزراء وكلها بدأت من المؤسسات والجمعيات الاهلية والتعاونية. فهذه الكيانات غير الربحية يتيح لها احتكاكها اليومي بتفاصيل وهموم الحياة العامة معرفة فجوة الاحتياجات وحجم التحديات والمشاكل.
ومن هنا يأتي تقدير ورعاية ولي الأمر لأوضاعها واحتياجاتها. فما تقدمه وتقترحه يلقى العناية والاهتمام والمباركة. وهذا هو حافز الدعوة لإنشاء جمعية أهلية تتخصص في محاربة السهر ودعم الاسرة السعودية حتى تتبني إعداد مشروع (تنظيم وطني يحدد ساعات النشاط التجاري) بما يخدم مصالحنا، وبما يجعل بلادنا مواكبة للممارسات العالمية التي تضع نظاما صارما يحمي المجتمع والدولة من مخاطر فوضى النشاط التجاري وانفلاته.
مازلنا (نتمنى) مبادرة مجلس الشورى الذي تعثرت جهوده في هذا الملف، وايضا نتمنى تبني مجلس شؤون الأسرة لهذا الملف. وحتى نخرج من دائرة الأماني المسليات أو كما قيل (تلك الأماني نعلل النفس بها زمناً).. عشمنا الكبير يبقى في مبادرات القطاع الاهلي، فهذا القطاع معروف بسرعة المبادرة، وبالقدرة على رفع سقف المخاطرة المنتجة للحلول والمبادرات النوعية والإيجابية .. وبأقل تكلفه.
هناك مساحة كبيرة بين النصيحة الفردية والقرار الحكومي تستطيع الجمعيات العمل فيها: بناء الوعي، وإنتاج الدراسات، وتدريب الأسر، والعمل مع المدارس وأصحاب الأعمال، وتشجيع المنشآت على تبني ممارسات صديقة للأسرة، ثم تقديم الأدلة لصانع القرار عندما تظهر الحاجة إلى تنظيم معين.
و(جمعية الذوق العام) في الشرقية هي التي تبنت وضع النسخة الأولية لنظام الذوق العام الذي تم تطبيقه منذ سنوات، ومازالت نشطة في جهودها، وأحدثها إصدار أدلة مرشدة في السلوك والآداب العامة.