أحيانًا لا يكشف الحوار التلفزيوني عن السؤال الذي طُرح عليه، بقدر ما يكشف سؤالًا آخر أكثر أهمية، ربما لم يكن في ذهن المحاور، وربما لم يكن في ذهن الضيف نفسه. وهذا ما يمكن أن نستشفه من حديث أحد رؤساء الجامعات السعودية عن تطوير المناهج وحذف عدد من المقررات التي ارتبطت في مراحل سابقة بمفهوم «أسلمة العلوم».
فالمسألة الأهم في هذا الحوار لم تكن الاتفاق أو الاختلاف مع حذف وتطوير مقررات الثقافة الإسلامية أو الأدب الإسلامي أو الإعلام الإسلامي أو بعض المقررات ذات الصلة بالمنظور الإسلامي للعلوم الإنسانية؛ فهذه قضايا أكاديمية وفكرية قابلة للنقاش، وقد تكون لها مبرراتها العلمية والمجتمعية. الأهم من الحكم على القرار نفسه هو التوقف عند الكيفية التي تُصنع بها مثل هذه القرارات داخل الجامعة، ومن يملك في النهاية سلطة تحديد اتجاهها الأكاديمي.
في معرض إجابته، أوضح رئيس الجامعة أن تطوير المناهج «يمر بلجان القسم ومجلس القسم والكلية»، وأن الموضوع يُطرح على الجهات الأكاديمية المختصة لتدرس المقرر ومدى إضافته للطالب. وهذه، من حيث المبدأ، هي الآلية المؤسسية الطبيعية التي ينبغي أن تمر بها القرارات الأكاديمية. لكنها في الوقت نفسه تفتح سؤالًا أكبر: إذا كانت القيادة التنفيذية للجامعة تمتلك رؤية واضحة تجاه ما ينبغي أن يكون عليه المنهج، فإلى أي مدى يبقى القرار قرارًا للمجلس الأكاديمي؟ وهل تكون المجالس هي التي تصنع القرار فعلًا، أم أنها تمنحه في بعض الأحيان غطاءه المؤسسي بعد أن يكون اتجاهه قد تشكل خارجها؟
هذا السؤال لا يتعلق برئيس بعينه، ولا بجامعة بعينها، ولا بالمقررات التي حُذفت أو بقيت، وإنما يتعلق بجوهر الحوكمة الجامعية: أين تنتهي سلطة القيادة التنفيذية، وأين تبدأ سلطة المعرفة الأكاديمية؟
فالجامعة الحديثة لا يمكن أن تُدار بعقل واحد. إنها تحتاج إلى قيادة تنفيذية قوية تمتلك الرؤية، وتحدد الأولويات، وتقود التغيير، وتتحمل مسؤولية النتائج؛ لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى عقل أكاديمي مؤسسي يختبر هذه الرؤية من خلال التخصص والمعرفة والبحث والخبرة المتراكمة.
رئيس الجامعة يرى الصورة المؤسسية الأوسع؛ الاستراتيجية والموارد والميزانية وسوق العمل والالتزامات الوطنية والشراكات والتنافس بين الجامعات. أما المجالس الأكاديمية فتملك معرفة أكثر عمقًا بالتخصصات والبرامج والمقررات واحتياجات الطلبة والتطورات العلمية. ولذلك فإن قوة الجامعة لا تتحقق عندما ينتصر أحد العقلين على الآخر، وإنما عندما يعملان معًا دون أن يبتلع أحدهما الآخر.
المشكلة تبدأ عندما تختلط الأدوار.
فرئيس الجامعة ليس مطلوبًا منه أن يكون مجرد منفذ لما تقرره المجالس، كما أن المجالس الأكاديمية ليست سلطة موازية لإدارة الجامعة. للقيادة حق المبادرة والاقتراح والتوجيه الاستراتيجي، ولها مسؤولية التأكد من أن الجامعة تتحرك نحو أهدافها. لكن المبادرة القيادية لا ينبغي أن تتحول إلى حسم للموضوع الأكاديمي قبل أن يصل إلى موضع الاختبار العلمي. وبالمقابل، فإن الاستقلال الأكاديمي لا ينبغي أن يتحول إلى حق تعطيل كل تغيير بحجة حماية التقاليد أو المصالح الخاصة بالأقسام والكليات.
ولهذا فإن السؤال ليس: من ينتصر، الرئيس أم المجلس؟ بل: كيف يصل الاثنان إلى قرار أفضل؟
في الإطار التنظيمي للجامعات السعودية، للمجالس الأكاديمية اختصاصات فعلية في الشؤون العلمية والأكاديمية، وفي المقابل يملك رئيس الجامعة صلاحيات واسعة في إدارة الجامعة والإشراف على تنفيذ أنظمتها وقرارات مجالسها. كما أن بعض الأطر التنظيمية تضع آليات واضحة للتعامل مع الاختلاف بين المجلس والقيادة التنفيذية، بما في ذلك الاعتراض وإعادة النظر ثم رفع الموضوع إلى مستوى أعلى من مستويات الحوكمة.
وهذا يكشف أن النظام لا يفترض فصلًا مطلقًا بين السلطة الأكاديمية والسلطة التنفيذية، كما لا يفترض أن تكون الإدارة صاحبة الكلمة الوحيدة في كل شأن أكاديمي؛ وإنما يبني علاقة توازن بين الصلاحية والمسؤولية والمراجعة.
لكن التوازن الذي تكتبه اللوائح على الورق قد يكون أكثر تعقيدًا عندما يدخل إلى غرفة الاجتماع.
فوجود المجلس لا يعني بالضرورة استقلال القرار. والاجتماع الذي يضم أعضاء المجلس لا يضمن تلقائيًا أن كل رأي سيُطرح بالدرجة نفسها من الحرية. فالسلطة المؤسسية لا تحتاج دائمًا إلى أمر مباشر حتى تؤثر في النقاش؛ يكفي أحيانًا أن تكون للقيادة رؤية معروفة، وأن يدرك الأعضاء الاتجاه الذي تميل إليه، حتى يتشكل النقاش بصورة مختلفة. وهذا لا يعني بالضرورة وجود ضغط أو مخالفة أو تجاوز، وإنما يعبّر عن حقيقة إنسانية ومؤسسية بسيطة: الموقع الوظيفي يؤثر في سلوك المؤسسات حتى عندما لا يصدر عنه توجيه صريح.
ومن هنا، فإن استقلال المجلس الأكاديمي لا ينبغي أن يقاس فقط بالسؤال: هل أصدر رئيس الجامعة أمرًا مباشرًا؟ بل بالسؤال الأعمق: هل يستطيع المجلس، إذا اقتضت الأدلة العلمية ذلك، أن يصل إلى نتيجة مخالفة لرؤية الرئيس، ثم يظل قراره محترمًا ومشروعًا وقابلًا للدفاع عنه؟
هنا تحديدًا يظهر الفرق بين الحوكمة الحقيقية والحوكمة الشكلية.
فالمجلس الأكاديمي الحقيقي ليس مكتبًا لتصديق المعاملات التي وصلت إليه مكتملة، ولا لجنة تمنح الغطاء النظامي لقرار اتُّخذ مسبقًا، كما أنه ليس خصمًا للقيادة التنفيذية. وظيفته أن يجعل القرار الأكاديمي يمر باختبار حقيقي: تُطرح الفكرة، وتُعرض الأدلة، وتناقش البدائل، ويظهر الرأي المخالف، وتُفحص الفرضيات، ثم يُتخذ القرار. وقد ينتهي المجلس إلى تأييد رؤية القيادة، وقد ينتهي إلى تعديلها، وقد يرفضها؛ وفي الحالات الثلاث يكون للقرار قيمة مؤسسية أكبر لأنه مر عبر عملية أكاديمية حقيقية.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين صناعة القرار وشرعنة القرار.
في صناعة القرار يأتي الموضوع إلى المجلس مفتوحًا على الاحتمالات، أما في شرعنة القرار فيأتي بعد أن يكون الاتجاه العام قد حُسم، ويبقى على المجلس أن يمرر القرار في القنوات الرسمية. قد تكون النتيجة النهائية متطابقة في الحالتين، لكن الفرق في الحوكمة جوهري؛ ففي الحالة الأولى تكون المجالس جزءًا من العقل الذي يصنع القرار، وفي الثانية تصبح جزءًا من الإجراء الذي يمنحه المشروعية.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجالس الأكاديمية ليس أن تختلف مع الإدارة، وإنما أن تفقد القدرة على الاختلاف. فالجامعة التي لا يستطيع مجلسها أن يقول «لا» ليست بالضرورة جامعة ذات قيادة قوية؛ فقد تكون ببساطة جامعة لا تُختبر فيها أفكار القيادة بما يكفي. وفي المقابل، فإن الجامعة التي تقول فيها المجالس «لا» لكل مبادرة قيادية ليست بالضرورة جامعة تتمتع باستقلال أكاديمي صحي؛ فقد تكون مؤسسة أسيرة للمصالح الجزئية أو الجمود المؤسسي.
الاستقلال الأكاديمي إذن ليس حقًا في الرفض، كما أن القيادة ليست حقًا في الحسم. كلاهما مسؤولية.
فالعضو الأكاديمي المستقل لا يرفض لأن الاقتراح جاء من الإدارة، وإنما يرفض عندما يرى أن الدليل العلمي لا يؤيده، ويقبل عندما يجد أن الحجة قوية، ويقدم بديلًا عندما يرى أن البديل أفضل. وكذلك القائد الجامعي القوي ليس من يستطيع تمرير ما يريد، وإنما من يستطيع أن يضع رؤيته أمام المجلس باعتبارها مقترحًا قابلًا للاختبار، ثم يقبل بنتيجة النقاش حتى عندما تأتي مختلفة عما كان يتوقعه.
وهذه ربما تكون إحدى أعلى درجات القوة القيادية: أن يستطيع رئيس الجامعة أن يقول للمجلس: هذه رؤيتي، وهذه مبرراتها، لكنني أريد منكم أن تختبروها.
فإذا انتهى المجلس إلى النتيجة نفسها، أصبحت الرؤية أقوى لأنها اجتازت الاختبار الأكاديمي. وإذا انتهى إلى نتيجة مختلفة، أصبحت المؤسسة أقوى لأنها لم تسمح للمنصب بأن يحل محل الحجة.
ومن هنا لا ينبغي أن يُفهم استقلال المجالس الأكاديمية باعتباره دعوة إلى عزلها عن القيادة أو منحها سلطة مطلقة. فالمجلس الأكاديمي لا يرى الجامعة كلها بالضرورة، كما أن رئيس الجامعة لا يمتلك وحده عمق المعرفة في جميع التخصصات. وإذا انفردت القيادة بالرؤية، فقد يصبح القرار سريعًا لكنه يفتقر إلى العمق الأكاديمي؛ وإذا انفرد الأكاديميون بالتفاصيل، فقد يصبح القرار علميًا في جزئيته لكنه يفتقر إلى الرؤية المؤسسية الأوسع.الحوكمة الرشيدة هي التي تحدد بوضوح من يقترح، ومن يناقش، ومن يقرر، ومن يعترض، ومن يتحمل المسؤولية، وكيف تُراجع القرارات. ولذلك فإن وجود آليات للاعتراض والمراجعة ليس علامة على ضعف القيادة، بل دليل على أن المؤسسة لا تختزل نفسها في إرادة فرد أو جهة واحدة.
وتزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بالمناهج؛ فالمناهج ليست مجرد قائمة مقررات، وإنما هي التعبير الأكثر وضوحًا عن نوع الخريج الذي تريد الجامعة أن تصنعه. ولهذا فإن تطويرها لا ينبغي أن يكون قرارًا إداريًا صرفًا، ولا شأنًا أكاديميًا معزولًا عن المجتمع واحتياجاته وتحولاته. إنه مجال تتقاطع فيه الرؤية الاستراتيجية مع المعرفة التخصصية، وتتقاطع فيه مسؤولية القيادة مع استقلال الأكاديميين.
وعندما تتحدث قيادة الجامعة عن فلسفة تعليمية أو توجه فكري أو إعادة بناء للمناهج، فإن السؤال الأهم ليس: هل نتفق مع هذا التوجه أم نختلف معه؟ وإنما: هل استطاع النظام الأكاديمي أن يحول رؤية القيادة إلى موضوع للنقاش العلمي، أم تحولت الرؤية إلى اتجاه ينبغي على المجالس أن تصل إليه؟
ذلك أن الجامعة قد تتخذ اليوم قرارًا صحيحًا، لكن القيمة الحقيقية للمؤسسة لا تظهر في صحة قرار واحد، وإنما في قدرتها على إنتاج قرارات صحيحة حتى عندما تتغير القيادة. فالرؤساء يتغيرون، والرؤى تتغير، والأولويات تتطور، والبيئات الاقتصادية والاجتماعية تتبدل، لكن المؤسسة ينبغي أن تبقى قادرة على حماية جودة قرارها من تقلب الأشخاص والاتجاهات.
ولهذا فإن المؤسسة الجامعية الناضجة لا تبني جودة القرار الأكاديمي على شخصية رئيس الجامعة، ولا على قوة العميد، ولا على جرأة رئيس القسم، ولا على توافق أعضاء المجلس، وإنما تبنيها على ثقافة مؤسسية تجعل النقاش العلمي جزءًا أصيلًا من صناعة القرار.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الجامعة ليس أن يختلف الناس، بل أن يتوقفوا عن الاختلاف؛ لأن الاختلاف الأكاديمي المنضبط يكشف الفرضيات الخفية، ويفحص الأدلة، ويختبر البدائل، ويمنع القرار من أن يتحول إلى قناعة شخصية مهما كان صاحبها. الجامعة التي تخشى الاختلاف قد تحصل على قرارات أسرع، لكنها قد لا تحصل بالضرورة على قرارات أفضل.
ومن هنا، ربما يكون السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه في جامعاتنا ليس: من يحكم القرار الأكاديمي؟ رئيس الجامعة أم المجالس؟ وإنما: كيف نضمن ألا يصبح القرار الأكاديمي ملكًا لأي شخص أو جهة، وإنما نتاجًا لمؤسسة تجمع بين قوة القيادة واستقلال المعرفة؟
عندها لا يصبح رئيس الجامعة خصمًا للمجلس، ولا يصبح المجلس عائقًا أمام الرئيس. يصبح الرئيس قائدًا للمؤسسة، ويصبح المجلس ضميرها الأكاديمي؛ وتصبح العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تنازع، ومراجعة لا وصاية، وشراكة في المسؤولية لا صراعًا على السلطة.
فالجامعة القوية ليست التي يتحدث فيها الجميع بصوت واحد، وإنما التي تسمح بتعدد الأصوات، ثم تمتلك من الحوكمة ما يحول هذا التعدد إلى قرار أكثر نضجًا. وليست قوة القيادة في أن يكون رأيها هو الأخير دائمًا، كما ليست قوة المجلس في أن يكون رأيه مختلفًا دائمًا؛ وإنما في أن يعرف كل طرف متى يقود، ومتى يستمع، ومتى يجادل، ومتى يقبل بنتيجة المؤسسة.
فالجامعة التي تجعل رئيسها قادرًا على المبادرة، ومجلسها قادرًا على الاختلاف، ونظامها قادرًا على المراجعة، هي الجامعة التي لا تحكمها السلطة وحدها، ولا المعرفة وحدها، وإنما تحكمها المؤسسة.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري
dr.khalid.s.almutairi@gmail.com