وأنا أتصفح أعداد مجلة (نوافذ) قبل مدة وأتنقل بين فهارسها، استوقفني تفصيل صغير يتكرر من عدد إلى آخر: تضع المجلة إلى جوار اسم كل شاعر أو كاتب موطنه بين قوسين: (تركيا، أو الهند، أو اليابان، أو البوسنة ...)
والقائمة تطول، والأقواس تتكرر مع الشعراء والقاصين والمسرحيين، كأن المكان جزء من تعريف الكاتب، وربما جزء من معنى النص نفسه. بيد أن القوسين يختفيان حين نصل إلى النقاد: رولان بارت، وتزفيتان تودوروف، وجوليا كريستيفا وغيرهم يحضرون هكذا من غير إحالة إلى موطن. للأديب جغرافيا تُذكر؛ أما الناقد فكأن خطابه يأتي من غير مكان.
ومن هذا التفصيل الهامشي نشأ أحد الأسئلة التي أخذتني هذا الأسبوع إلى بروكسل، للمشاركة في مؤتمر الجمعية الأوروبية لدراسات الدوريات (ESPRit)، إحدى أبرز المؤسسات العلمية في هذا المجال. ودراسات الدوريات (Periodical Studies) حقلٌ بينيّ رسّخ حضوره بجمعياته ومجلاته المحكّمة ومجتمعه البحثي المتخصص، غير أن تبلوره المؤسسي والنظري جرى أساسًا في أوروبا وأمريكا الشمالية، فيما ظل أقل حضورًا خارج الدوائر الأكاديمية الغربية. وكان من اللافت بالنسبة إليّ أن الجغرافيا التي تشكّل فيها هذا الحقل الذي أقدّم فيه الورقة تكاد تعيد -على مستوى مختلف- الجغرافيا التي كشفتها (نوافذ) نفسها: عالمٌ أدبي واسع ومتعدد، يقابله نقدٌ ومعرفة نظرية يتركزان بدرجة كبيرة في أوروبا وأمريكا الشمالية. ومن هنا اكتسب ذلك التفصيل الصغير في الفهارس دلالة أوسع: لماذا تظهر جغرافيا الأدب بوضوح، بينما يبدو النقد كأنه يتجاوز الجغرافيا؟
صدرت (نوافذ) عن النادي الأدبي الثقافي بجدة بين عامي 1997 و2013م، وحملت على أغلفتها تعريفًا موجزًا دالًا على توجهها التحريري (دورية تُعنى بترجمة الأدب العالمي). وعلى امتداد اثنين وأربعين عددًا ضمت 755 مادة، وأسهم في الترجمة فيها 340 مترجمًا. ولم تكن مجرد وعاء تتجاور فيه الترجمات؛ فقد احتفظت طوال ستة عشر عامًا ببنية تحريرية واعية تكاد لا تتغير: مقالات، فشعر، فقصة، فمسرح، وتتقدم ذلك كله افتتاحية لا يرد ذكرها في الفهرس أصلًا، كأنها عتبة تقف عندها المجلة قبل أن تفتح نافذتها على العالم.
وفي قلب هذا المشروع يقف الدكتور عبدالعزيز السبيل، مسنودًا بدعمٍ من عبدالفتاح أبو مدين ومتابعةٍ دؤوبة -رئيس النادي آنذاك- الذي رعى المجلة وواكب مسيرتها منذ بداياتها. وإذا كان أبو مدين ينسب في كتابه (أيامي في النادي) فكرة (نوافذ) واسمها إلى السبيل، فإن السبيل، من جهته، يرد جانبًا كبيرًا من نجاحها إلى دعم أبي مدين وعنايته. ويكشف تتبع أعداد المجلة أن صلة السبيل بها تجاوزت الفكرة الأولى إلى تشكيل المشروع وصياغة هويته: لازمها من عددها الأول إلى الأخير، وكتب ثلاثًا وثلاثين من افتتاحياتها الاثنتين والأربعين، وترجم فيها، وتولى تحريرها طوال مسيرتها، وظل يتابعها حتى بعد انتقاله عام 2005 إلى العمل الثقافي الحكومي وكيلًا لوزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية. ومن الصعب، بعد قراءة المجلة كاملة، أن نفصل تاريخ (نوافذ) عن رؤيته الثقافية.
وكانت لهذه الرؤية جغرافيا معلنة. فقد جاءت إرشادات النشر المطبوعة إلى جوار الفهارس متسقة مع العالمية التي كانت (نوافذ) تنشدها؛ عالمية لا تختزل العالم في الغرب، بل تفتح الترجمة على آداب الشعوب الإسلامية وآداب ما كان يُسمّى آنذاك بالعالم الثالث. وفي عام 2004 أعلنت المجلة سياسة جديدة تقضي بتخصيص عدد كل عام لثقافة يجمعها لسان واحد أو فضاء جغرافي واحد، على أن تكون من الثقافات قليلة الحضور على (خريطة القارئ العربي). وكانت البداية بآداب آسيا الوسطى، وفي القلب منها الأدب الأوزبكي، ثم أعقبه عدد خُصص لأمريكا اللاتينية. لم يكن هذا الاتساع الجغرافي، إذن، ثمرة عارضة لما يصل إلى هيئة التحرير، بل كان جزءًا من تصور واعٍ للعالم الذي أرادت (نوافذ) أن تضعه في أفق قارئها العربي.
وحين أعدت فهرسة الأعداد الاثنين والأربعين، مادةً مادة وصفحةً صفحة، ظهرت أمامي خريطتان لا تتطابقان. ففي 376 نصًا أدبيًا أثبتت (نوافذ) إلى جوار أسماء أصحابها انتماءاتهم الجغرافية، جاءت 49 في المئة من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، في مقابل 41 في المئة من آسيا وأفريقيا، ونحو 10 في المئة من أمريكا اللاتينية والكاريبي. كانت خريطة الأدب، إذن، واسعة ومتعددة الجهات. لكن الصورة تنقلب حين ننتقل إلى النقد: 89 في المئة من مواده جاءت من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، و35 في المئة من فرنسا وحدها، فيما ارتفعت حصة المجال الفرانكفوني إلى 45 في المئة. هنا تضيق الخريطة على نحو لافت، ويغدو الفرق بين جغرافيا الأدب وجغرافيا النقد أحد أكثر ملامح المجلة دلالة.
ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في أنها تكشف انحيازًا غربيًا لدى (نوافذ)، ولا أظن أن ذلك هو التفسير المنصف لها. فما تكشفه أعمق من خيار تحريري بعينه: الأدب والنقد لم يسلكا في العالم الجغرافيا نفسها، ولم تحكم تداولهما البنى ذاتها. كان في وسع القصيدة والقصة أن تأتيا من عشرات الأمكنة، فيما ظل النقد والنظرية الأكثر تداولًا على المستوى الدولي أكثر تمركزًا في لغات ومؤسسات ومراكز ثقافية محددة.
وهنا يعود القوسان الصغيران ليكتسبا دلالة أخرى؛ فقد كانت (نوافذ) تُثبت موطن الشاعر والقاص والمسرحي، لكنها لم تُثبت موطن أيٍّ من أصحاب موادها النقدية المئة والتسع والتسعين. وليس هذا التفريق مجرد تفصيل شكلي؛ فهو يوحي بتصور ضمني للمكان وعلاقته بالمعرفة: فالأدب يُقدَّم بوصفه حاملًا لأثر المكان ومعبّرًا عنه، أما النقد فيظهر معرفةً قادرة على تجاوز منشئها الجغرافي. غير أن تتبع المسارات التي سلكها هذا النقد في طريقه إلى العربية يكشف مفارقة لافتة: فما بدا على الصفحة متجاوزًا للمكان، كان في تداوله شديد الارتباط بأمكنة ولغات ومؤسسات بعينها.
وتحفظ الهوامش بعض آثار هذه الرحلة. فمقال عن السينما الأفريقية لكاتب بريطاني يصل إلى العربية عبر دورية فرانكفونية، ودراسة عن كتّاب تايلاند تأتي من مجلة باريسية، وتاريخ للسينما الإيرانية يصل من منشورات مركز بومبيدو، فيما يعبر نقاد ألمان وإيطاليون إلى العربية من خلال سلسلة نقدية فرنسية. بل إن اسم بودلير نفسه يرد مرة بصيغة تحمل أثر الفرنسية، ومرة أخرى بصيغة تكشف وساطة إنجليزية. ليست اللغة هنا مجرد أداة محايدة للنقل؛ إنها طريق من طرق العبور، والطريق يترك أثره فيما يمرّ به.
وهنا يفرض سؤال نفسه: من أين جاء هذا الحضور الفرنسي الكثيف؟ أميل إلى أن تفسيره لا يكمن في تفضيل واعٍ لفرنسا بقدر ما يكمن في بنية المتاح آنذاك؛ في لغات المترجمين، وما يصل إليهم من كتب ودوريات، وفي المسارات التي كانت الأفكار تسلكها في طريقها إلى العربية. غير أن (المتاح) نفسه ليس بريئًا من التاريخ؛ فما يتاح لثقافة من ثقافة أخرى تشكّله لغات المترجمين، وتقاليد التعليم، وشبكات النشر والتوزيع، والمراكز التي تمتلك قدرة أكبر على دفع ما تنتجه إلى التداول خارج حدودها. وحين تكون الفرنسية لغة ثانية لقطاع مهم من المترجمين، وتكون باريس مركزًا شديد الحضور في النشر وإنتاج النظرية، تصبح بعض الطرق إلى العالم أعرض من غيرها. وهنا لا تعود الترجمة مجرد علاقة بين نص أصل ونص منقول؛ إنها أيضًا جغرافيا للعبور.
وهذا بعض ما حملته إلى مؤتمر ESPRit في بروكسل. لم يكن السؤال كيف (استقبلت) مجلة سعودية العالم فحسب، بل أي عالم صنعته لنفسها، وبأي طرق وصل إليها؟ والأهم: لماذا كانت جغرافيا الأدب الذي قدّمته للقارئ أوسع كثيرًا من جغرافيا النقد الذي استعانت به لقراءته؟ بهذا المعنى تكشف (نوافذ) شيئًا يتجاوز تاريخها الخاص: عولمة الأدب وعولمة النظرية لا تسلكان بالضرورة الطرق نفسها.
وتظهر هنا مفارقة أخرى. فالدوريات العربية مارست منذ عقود أعمالًا واسعة في الترجمة والوساطة الثقافية وصناعة صور للعالم، لكنها ما تزال محدودة الحضور في السجل المنشور لحقل دراسات الدوريات عالميًا. وليس السؤال مجرد سؤال (تمثيل) أو شمول؛ بل سؤال معرفي: كيف نستطيع أن نتحدث عن التداول العالمي والترجمة وصناعة العالم إذا ظلت المدونة التي نبني منها مفاهيمنا أضيق من العالم الذي نزعم دراسته؟
واليوم، وقد اتسعت مشروعات الترجمة العربية اتساعًا لم تعرفه مرحلة (نوافذ)، ربما يجدر بنا أن نسأل من جديد: هل اتسعت خريطة الأفكار بالقدر نفسه الذي اتسعت به خريطة الآداب؟ وهل تغيرت اللغات والمدن والمؤسسات التي يصل عبرها النقد والنظرية إلى العربية؟ أم أننا نجحنا في تنويع ما نقرأ من العالم أكثر مما نجحنا في تنويع الطرق التي نقرأه بها؟
ولعل من أثمن ما بقي من (نوافذ) أنها لم تكن مجرد نافذة فُتحت على آداب العالم، بل مشروعًا ثقافيًا وسّع أفق القارئ العربي، ورسم أمامه خريطة للأدب تتجاوز المراكز المألوفة. وفي الوقت نفسه تركت المجلة، في فهارسها وهوامشها وتلك الأقواس الصغيرة، آثار الطرق التي كانت النصوص والأفكار تسلكها في طريقها إلى العربية. وفي قلب هذا المشروع كان عبدالعزيز السبيل، وإلى جانبه هيئة التحرير وشبكة واسعة من المترجمين الذين أسهموا، على امتداد ستة عشر عامًا، في بناء هذا المشروع وتراكمه. ولم يتركوا لنا اثنين وأربعين عددًا فحسب، بل أرشيفًا ثقافيًا لعلاقة العربية بالعالم في لحظة تاريخية بعينها؛ أرشيفًا يتيح لنا اليوم أن نسأل لا إلى أين كانت (نوافذ) تطل فحسب، بل من أي الجهات كان العالم يصل إليها، وبأي اللغات والوسائط كان يعبر إلى العربية.
** **
- د.إبراهيم بن عبدالرحمن الفريح