في أمسية امتزج فيها وهج المكان بأسئلة الثقافة والتنمية، احتضنت غرفة الباحة، بالشراكة مع أمانة منطقة الباحة، محاضرة للإعلامي والكاتب عبدالله الحسني بعنوان «جغرافيا الوطن.. من وحدة الأرض إلى جغرافيا المستقبل»، وسط حضور نوعي من المثقفين والأدباء والمهتمين ورجال الأعمال، تقدمهم وكيل أمين منطقة الباحة المهندس صديق الشيخي، ورئيس مجلس إدارة غرفة الباحة الأستاذ ماشي العمري.
وقدم الأمسية المهندس أحمد البرتاوي، الذي رحب بالحضور وعرّف بالضيف، مستعرضًا جانبًا من مسيرته المهنية والثقافية الممتدة في الصحافة والإعلام، وما صاحبها من اشتغال بالشأن الثقافي، وحضور في عدد من المنابر والفعاليات والحوارات الفكرية.
واستهل الحسني ورقته من عتبة شخصية حميمة، مستعيدًا علاقته بالباحة بوصفه ابنًا للمكان لا زائرًا له، ومشيرًا إلى جذوره في قرية وادي الصدر ببني حسني. كما استعاد جولته في المنطقة بصحبة المهندس أحمد البرتاوي، ورفيق رحلته الكاتب عوضة الدوسي، وما أثارته الجولة من لواعج الشوق وهواجس الذاكرة ودهشة التحول.
وكشف أن ما شاهده من مشروعات وتجارب تنموية دفعه إلى العودة إلى ورقته التي أعدها سلفًا، والسهر على إعادة صياغة أجزاء منها؛ لأن الواقع الذي رآه كان أكبر من أن يظل خارج النص، مستحضرًا قول الشاعر:
لم أنم يا عبل عن عهد الهوى
من رعى أمرًا عظيمًا لم ينم
وانطلقت الورقة من مفاهيم «الجغرافيا الثقافية» و«شخصية الإقليم» و«عبقرية المكان»، متتبعة العلاقة التاريخية بين إنسان الباحة وبيئته، وكيف لم يقف أمام قسوة التضاريس موقف العاجز، بل فاوض الجبل بالمدرجات، وحول الحجر إلى بيت وحصن، وصنع من حاجته حرفة وثقافة.
ورأى الحسني أن عبقرية الباحة لا تكمن في طبيعتها وحدها، وإنما في ذلك التفاعل الخلاق بين الأرض والإنسان والتاريخ والثقافة، معتبرًا أن «إنسان الباحة لم يعش في مواجهة الطبيعة، بل تعلم كيف يتفاهم معها».
وانتقلت الورقة من ذاكرة المكان إلى راهنه، لتقرأ التحولات التي تشهدها الباحة بوصفها تحولًا في ذهنية الإنسان تجاه جغرافيته، لا مجرد تغير في المشهد العمراني والسياحي.
كما قرأ الحسني الشراكة بين أمانة منطقة الباحة وغرفة الباحة من زاوية تتجاوز إطار تنظيم الفعاليات، معتبرًا أن الأمانة لم تعد محصورة في الصورة التقليدية للخدمات البلدية، بل أصبحت شريكًا في صناعة حياة المدينة وثقافتها وجودة العيش فيها، فيما تجاوزت الغرفة مفهومها الاقتصادي التقليدي إلى الإسهام في الحراك الفكري والثقافي.
ووصف هذه العلاقة بأنها «توأمة بين المال والفكر، وبين السيولة الاقتصادية والسيولة الثقافية»، مؤكدًا أن الاقتصاد حين يلتقي بالثقافة يمنح المشروع روحًا، فيما تمنح الموارد الاقتصادية الفكرة الثقافية قدرة على التحول إلى أثر.
وأكد أن الانتماء الحقيقي لا يقف عند محبة المكان، وإنما يتجسد في السؤال: «ماذا أستطيع أن أضيف إلى المكان؟»، وأن الثروة الشخصية حين تعود إلى المجتمع في صورة مشروع أو ثقافة أو فرصة عمل، تتحول إلى ثروة للمكان والوطن.
وفي محور الإنسان، توقف الحسني عند الحضور اللافت لأبناء الباحة في مجالات الثقافة والتعليم والإدارة والصحافة والإعلام، مستندًا إلى ملاحظته المهنية الممتدة في الوسط الصحفي، ومثيرًا سؤالًا حول سر قدرة هذه الجغرافيا على إنتاج هذا الحضور الإنساني الواسع.
وربط ذلك بثقافة المجلس والحكاية والشعر والتعليم والارتحال والتواصل الاجتماعي، مختصرًا هذا التحول بقوله: «من المجلس إلى الصحيفة تغيرت الوسيلة، لكن بقيت الحكاية»، ومعتبرًا أن أعظم ما أنتجته جغرافيا الباحة هو الإنسان بوصفه «أيقونة المكان».
واتصلت الورقة بمناسبة اليوم الوطني، حيث وضع الحسني الباحة داخل المعنى الوطني الأشمل، مشيرًا إلى أن الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، وحد جغرافيا الأرض، ثم تعاقبت الأجيال على بناء جغرافيا الإنجاز، فيما تفتح رؤية المملكة 2030 المجال أمام كل منطقة لاكتشاف ميزتها الخاصة وتحويل مكوناتها الطبيعية والثقافية والإنسانية إلى قيمة مضافة للوطن.
واختتم هذه الفكرة بعبارة لخصت محور المحاضرة: «وحد الملك عبدالعزيز جغرافيا الأرض، وبنت الأجيال جغرافيا الإنجاز، ونحن اليوم نصنع جغرافيا المستقبل؛ مستقبلًا يحفظ ذاكرة المكان ويطلق عبقرية الإنسان».
وعقب المحاضرة، شهدت الأمسية مداخلات أضافت أبعادًا أدبية وثقافية وتنموية إلى موضوعها. واستهلها رئيس جمعية أدبي الباحة الشاعر حسن الزهراني، مشيدًا بعمق الورقة وجمال لغتها، وواصفًا الحسني بـ«الصحفي الأديب» الذي جمع بين الأدب والصحافة وخدم المشهد الثقافي. وفاجأ الحضور بتغيير عنوان قصيدته إلى «عبدالله الحسني»، قبل أن يلقي «نخلة الأمجاد» محتفيًا بالباحة وجمالها.
وأشاد الشاعر أحمد آل مجثل بالمحاضر وعمق طرحه، مستعرضًا إسهامات الحسني الممتدة لأكثر من عقدين في الصحافة الثقافية بصحيفة «الرياض». كما نوّه الكاتب عوضة بن علي الدوسي بما أبرزته الورقة من تآلف بين المكان والإنسان، وقدرة الباحة على الموازنة بين المحافظة على هويتها ومواكبة التطوير والتحديث.
وتناول الباحث إبراهيم الزهراني البعد التنموي، مشيرًا إلى أهمية تحويل الأصول الزراعية والثقافية والتاريخية إلى مشروعات استثمارية تحافظ على الهوية وتسهم في الناتج المحلي، مستعرضًا جهود وزارة الثقافة في التمكين والتشريعات وتهيئة البيئة المساندة.
وفي ختام الأمسية، كُرّم الإعلامي والكاتب عبدالله الحسني من وكيل أمين منطقة الباحة المهندس صديق الشيخي، ورئيس مجلس إدارة غرفة الباحة ماشي العمري، لتختتم أمسية جمعت الثقافة بالتنمية، والشعر بالاقتصاد، والذاكرة بالمستقبل.