وائل سعود العتيبي - الرياض:
حين تنتهي الصورة وتبدأ الأسئلة، لا تعود السينما مجرد فيلم يُعرض، بل تجربة قابلة للقراءة والتأويل. من هذه المساحة جاء لقاء «سينيراما» الذي جمع صنّاع «مجهول» و«فريحة» في «سرد الثقافي» بالرياض، في أمسية نقلت التجربتين من شاشة العرض إلى فضاء الحوار، وكشفت بعض ما يختبئ خلف الصورة من اختيارات إبداعية وتحديات وأسئلة صنعت العملين.
جمع اللقاء تجربتين سينمائيتين حصدتا السعفة الذهبية في الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية؛ «مجهول» للمخرج إبراهيم البكيري، الفائز بسعفة أفضل فيلم قصير، و«فريحة» للمخرج بدر الريمي، الفائز بسعفة فيلم الخليج الوثائقي. وبين الفيلم القصير والوثائقي، تتباين الأدوات والرؤى، بينما يظل الإنسان والحكاية في قلب التجربة السينمائية.
في «مجهول»، يشتغل البكيري على اقتصاد السرد وتكثيفه، فيما يستعيد الريمي في «فريحة» سيرة الفنانة اليمنية فريحة، التي عُرفت في ثمانينيات القرن الماضي قبل أن تنسحب من الأضواء. وبين بناء الحكاية واستعادة الذاكرة، يكشف الفيلمان عن طريقتين مختلفتين في تحويل التجربة الإنسانية إلى صورة سينمائية. لم يتوقف الحوار عند حدود ما ظهر على الشاشة؛ إذ اتجه إلى المنطقة الأكثر خفاءً في صناعة الفيلم: القرارات التي تسبق الصورة، والاختيارات الجمالية، وتفاصيل التنفيذ، والتحديات التي تواجه المخرج في انتقال الفكرة من الورق إلى الشاشة. وهي منطقة غالبًا ما تبقى بعيدة عن المتلقي، رغم أنها تحمل جزءًا أساسيًا من هوية الفيلم وفرادته.
ومن هنا تتجاوز تجربة «سينيراما» مفهوم العرض السينمائي التقليدي؛ فالنادي، الذي انطلق في مارس 2025 تحت مظلة «هاوي»، يسعى إلى جعل مشاهدة الفيلم مدخلًا للمعرفة والنقاش، وربط الجمهور بصنّاع الأفلام، ودعم المواهب الناشئة، والتعريف بمراحل الإنتاج وتخصصاته، بما يعزز وعيًا سينمائيًا يتجاوز لحظة المشاهدة.
يقود النادي الدكتور فهد اليحيى، الناقد في السينما والمسرح، فيما يأتي احتضان «سرد الثقافي» للأمسية امتدادًا لدوره في توفير مساحات للحوار والمشاريع والورش الثقافية والسينمائية، بما يواكب اتساع حضور السينما في المشهد الثقافي السعودي.
في «سينيراما» لا تكون شارة النهاية خاتمة التجربة؛ إنها نقطة انتقال من الفيلم إلى التفكير فيه. وهنا تحديدًا يكتسب «مجهول» و«فريحة» حياة أخرى: حياة تُبنى بالكلام، وتُعاد قراءتها بالنقد، وتبقى مفتوحة على أسئلة لا تنتهي بانطفاء الشاشة.