«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في السينما، قد تكون 48 ساعة كافية لتحويل فكرة عابرة إلى فيلم مكتمل؛ كتابةً وتصويرًا ومونتاجًا، وفي الوقت نفسه اختبارًا حقيقيًا لقدرة صانع الفيلم على العمل تحت ضغط الوقت. من هذه الفكرة انطلقت النسخة السادسة من «تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة» في جدة، بمشاركة 15 فريقًا اختيرت من بين 127 طلبًا للمشاركة، في تجربة تجمع المواهب السعودية الشابة بالتدريب والممارسة المهنية والانفتاح على الخبرات السينمائية الفرنسية، قبل أن تمتد رحلة الفائزين إلى فرنسا.
واحتضنت دار فرنسا في جدة، مساء 16 سبتمبر، حفل استقبال أقامه القنصل العام لفرنسا في جدة، محمد نهاض، بمناسبة النسخة السادسة من التحدي، بحضور صنَّاع أفلام ومهنيين وشركاء من الجانبين السعودي والفرنسي، في مناسبة عكست جانبًا من التعاون الثقافي المتنامي بين المملكة وفرنسا في مجال السينما.ويُنظم التحدي بالتعاون بين مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي، والقنصلية العامة لفرنسا في جدة، وأليانس فرانسيس، ويستهدف اكتشاف المواهب السينمائية الناشئة ودعمها من السعوديين والمقيمين في المملكة، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا. ويقوم التحدي على تجربة عملية متكاملة تبدأ بتطوير الفكرة وكتابة السيناريو، مرورًا بالتصوير والإنتاج، وانتهاءً بالمونتاج وتسليم الفيلم، ضمن بيئة مكثفة وتعاونية.
ولم تكن الـ48 ساعة مجرد مهلة زمنية، بل جاءت تتويجًا لمسار من التدريب والإرشاد؛ إذ خضعت الفرق المختارة لورش متخصصة في صناعة الأفلام قبل الدخول في التحدي، بما أتاح للمشاركين تطوير أدواتهم في الكتابة والإخراج والإنتاج والتصوير والمونتاج. كما شهدت الأيام المهنية المصاحبة للنسخة السادسة برنامجًا مكثفًا للتدريب والإرشاد والتواصل المهني، تناول مجالات التمثيل والإخراج والإنتاج والتوزيع وكتابة السيناريو، بمشاركة متخصصين سعوديين وفرنسيين.
نهاض: السينما مساحة للتبادل ودعم المواهب
وخلال حفل الاستقبال، أكد القنصل العام الفرنسي محمد نهاض أهمية التعاون الثقافي بين فرنسا والمملكة، ولا سيما في مجال السينما الذي يشهد تطورًا متسارعًا في السعودية، ويفتح مساحات جديدة للتبادل والتعاون بين المهنيين في البلدين.
وشدد نهاض على أهمية دعم المواهب الشابة وإتاحة مزيد من الفرص أمامها للتعلم والتجربة والتطور، بما يعزز حضور الثقافة والفنون بوصفها مساحة للحوار والتقارب بين المجتمعين السعودي والفرنسي. ويعكس هذا التوجه جوهر الشراكة القائمة حول التحدي؛ إذ لا تقتصر التجربة على إنتاج فيلم في وقت قياسي، وإنما تتيح للمواهب السعودية الاحتكاك بخبرات مهنية فرنسية، والتعرف إلى مسارات مختلفة في صناعة الفيلم.
وتتجاوز الشراكة بذلك إطار استضافة الفعاليات، لتوفر للمشاركين مساحة عملية للتعلم والتواصل مع العاملين في القطاع السينمائي، ضمن مسار يجمع بين المنافسة والتدريب والإرشاد وبناء العلاقات المهنية.
ويأتي هذا المسار امتدادًا لتجربة بدأت قبل أعوام؛ ففي النسخ السابقة، نظمت القنصلية الفرنسية في جدة برامج وأيامًا مهنية بمشاركة خبراء سعوديين وفرنسيين، كما حصل الفائزون في دورات سابقة على فرص للإقامة والتطوير السينمائي في فرنسا، فيما عُرضت الأفلام الفائزة ضمن مهرجان البحر الأحمر السينمائي. وفي النسخة الثالثة، على سبيل المثال، شارك 15 فريقًا، ونظمت القنصلية الفرنسية ورشًا مهنية في جدة، فيما ارتبطت الجائزة بتجربة في مهرجان كليرمون-فيران الدولي للفيلم القصير.
هدى بن يمينة.. خبرة «كان» في لجنة التحكيم
واكتسبت النسخة السادسة بعدًا سينمائيًا فرنسيًا إضافيًا من خلال مشاركة المخرجة وكاتبة السيناريو الفرنسية هدى بن يمينة في لجنة التحكيم، إلى جانب الممثل والمنتج السعودي صهيب قدس، والممثلة السعودية خيرية أبو لبن. وتولت اللجنة تقييم الأفلام التي أنجزتها الفرق المشاركة، قبل إعلان النتائج في 17 سبتمبر.وتحمل بن يمينة تجربة سينمائية دولية لافتة؛ إذ فاز فيلمها الروائي الأول «Divines» بكاميرا الذهب في مهرجان كان السينمائي عام 2016، بعد عرضه ضمن «أسبوع المخرجين». كما ارتبطت تجربتها منذ بداياتها باكتشاف المواهب وإتاحة فرص أوسع أمامها لدخول عالم السينما، من خلال تأسيسها جمعية «1000 Visages» عام 2006. وشاركت كذلك في إخراج وكتابة فيلم «Salam»، الذي عُرض في مهرجان كان عام 2022 ضمن العروض الخاصة.
ويمنح حضورها في لجنة التحكيم التحدي بعدًا يتجاوز التقييم؛ إذ يضع المواهب السعودية الشابة أمام تجربة سينمائية فرنسية ذات حضور دولي، ويعزز فرص التواصل المباشر مع خبرات تنتمي إلى صناعة مختلفة، لكنها تلتقي معها في الاهتمام باكتشاف الأصوات الجديدة وتطويرها.
من جدة إلى فرنسا
ولا تنتهي التجربة عند إعلان النتائج؛ فقد فاز في النسخة السادسة فيلما «رصيف 17» و«أنيس الروح»، فيما حصل فيلم «On My Behalf» على تنويه خاص من لجنة التحكيم. وقيّمت اللجنة 13 فيلمًا قصيرًا مكتملًا من بين الفرق التي اختيرت للمشاركة، في ختام التحدي الذي انطلق باختيار 15 فريقًا من بين 127 طلبًا للمشاركة.ويحصل قائدا الفريقين الفائزين على فرصة لإقامة فنية دولية في فرنسا خلال عام 2027، فيما يُعرض الفيلمان الفائزان ضمن الدورة المقبلة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.ويمثِّل هذا الامتداد الفرنسي أحد أبرز عناصر التجربة، خصوصًا أن المبادرة راكمت في دوراتها السابقة مسارًا من التواصل مع المشهد السينمائي الفرنسي، شمل فرصًا للتطوير والإقامة، إلى جانب الارتباط بمهرجان كليرمون-فيران الدولي للفيلم القصير، أحد أبرز المهرجانات العالمية المتخصصة في هذا النوع السينمائي.وهكذا تتجاوز فكرة «48 ساعة» حدود السباق الزمني لإنتاج فيلم قصير؛ فهي صيغة تجمع التجربة والتدريب والمنافسة والتواصل المهني والانفتاح الدولي في مسار واحد، يبدأ بفكرة يعمل عليها فريق شاب تحت ضغط الوقت، ويمر بمراحل الكتابة والتصوير والمونتاج، ثم يفتح أمام الفائزين طريقًا إلى مهرجان وتجربة فنية في فرنسا.
وبين جدة وفرنسا، تتحول السينما إلى لغة مشتركة للتعلم والتبادل؛ فالمبادرة لا تكتفي بإنتاج أفلام قصيرة خلال يومين، بل تسعى إلى ربط جيل جديد من صناع الأفلام السعوديين بشبكات وخبرات سينمائية فرنسية ودولية، بما يجعل التعاون الثقافي بين البلدين جزءًا من رحلة عملية تبدأ من الموهبة، وتمر بالتجربة، وقد تمتد إلى فضاءات سينمائية أوسع.
ومن هنا، تبدو دار فرنسا في جدة في هذه المناسبة أكثر من موقع لاستضافة حفل؛ فهي إحدى محطات مسار سينمائي سعودي-فرنسي يتشكل عبر التدريب والمنافسة والتبادل المهني، ويمنح الفيلم الذي يولد في 48 ساعة فرصة لأن تكون له رحلة أطول من زمن التحدي نفسه.