«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في جدة، لا تأتي الحفلات الغنائية الكبرى بوصفها تجمعًا للأصوات فحسب، بل تتحول أحيانًا إلى مساحة تلتقي فيها أجيال وذاكرات موسيقية مختلفة. وفي ليلة مصرية استثنائية على مسرح عبادي الجوهر أرينا، اجتمع مصطفى كامل ورامي جمال وبهاء سلطان، في مشهد جمع بين الأغنية ذات الذاكرة، والصوت المعاصر، والحضور الطربي الذي يجد طريقه سريعًا إلى الجمهور.افتتح مصطفى كامل الليلة بصوت ارتبط خلال مسيرته بالأغنية المصرية العاطفية وبالمفردة القريبة من الوجدان الشعبي، مقدمًا عددًا من أعماله المعروفة، بينها «أنا والنعمة دي» و«قول يا رب» و«رحلة عمري». ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن حضوره لا يستند إلى الغناء وحده، بل إلى علاقة قديمة بين الأغنية وجمهورها؛ إذ تحولت المدرجات إلى مساحة لاستعادة كلمات وألحان عاشت سنوات في الذاكرة.
جاء دور رامي جمال ليمنح السهرة إيقاعًا مختلفًا؛ فهو أحد الأصوات التي رسخت حضورها في الأغنية المصرية الحديثة، مستندًا إلى حس لحني وعاطفي يجمع بين البساطة والقدرة على ملامسة التجربة الشخصية. وقدم خلال فقرته مجموعة من أعماله، بينها «ليلة ورا ليلة» و«لحظة بعادك» و«جيت متأخر»، وسط تفاعل لافت من الجمهور.
لكن فقرة رامي حملت أيضًا لحظة ولادة فنية جديدة، حين قدم للمرة الأولى أغنيته «أمانة ما تمشيش»، في ظهور أول للعمل من على مسرح عبادي الجوهر أرينا، ضمن اتفاق مع محمد زكي حسنين، الرئيس التنفيذي لشركة «بنش مارك». وهكذا لم تكن جدة في تلك الليلة تستعيد أغنيات مألوفة فحسب، بل شهدت أيضًا خروج عمل جديد إلى الجمهور للمرة الأولى، في لحظة تختلط فيها ذاكرة الأغنية بحاضرها.
أما بهاء سلطان، فاختتم السهرة بحضور صوتي يحمل ملامح خاصة في المشهد الغنائي المصري؛ صوت استطاع أن يحافظ على قربه من الجمهور عبر سنوات، وأن ينتقل بين الأغنية العاطفية والإيقاع الشعبي والتعبير الطربي من دون أن يفقد هويته. وقدم مجموعة من أشهر أعماله، بينها «تعالى أدلعك» و«أنا مصمم» و«أنا من غيرك»، لتتحول الفقرة إلى غناء جماعي شارك فيه الجمهور قبل أن ينهي الفنان ليلته.وبين ثلاثة أصوات تنتمي إلى تجارب وأجيال فنية مختلفة، بدت جدة في هذه الليلة كأنها تستضيف فصلًا مصغرًا من تاريخ الأغنية المصرية: مصطفى كامل بذاكرة الأغنية ووجدانها، ورامي جمال بحساسية الأغنية الحديثة، وبهاء سلطان بصوت حافظ على حضوره الشعبي والطربي.أقيمت الليلة برعاية الهيئة العامة للترفيه، وضمن فعاليات موسم جدة، ومن تنظيم «بنش مارك»، لتؤكد الحفلات الغنائية الكبرى في جدة حضور المدينة بوصفها منصة تستقبل تنوع التجارب الموسيقية العربية، وتمنح الأغنية مساحة جديدة للقاء جمهورها، واستعادة ما يعرفه، واكتشاف ما لم يسمعه بعد.